Showing posts with label Newspapers. Show all posts
Showing posts with label Newspapers. Show all posts
Sunday, January 22, 2017
ستيلا قايتانو.. تعالوا نقرأ هذه المبدعة الكبيرة- خالد عويس
لقراءة المقال كاملا - اضغط هنا
خالد عويس - سودانيز اون لاين
منذ
فترة أفكر في الكتابة عن ستيلا، هذه الكاتبة التي حدثني عنها الصديق الصادق
الرضي فبحثت عن زهورها الذابلة واستمتعت أيما متعة بقراءة مجموعة قصصية
تبشر بكاتبة ستكون واحدة من المجيدات فعلا.
هذا الموضوع نقلا عن "الشرق الأوسط" اليوم
تعرية قاسية لمعاناة النازحين وصفاقة أمراء الحرب
«زهور ذابلة» قصص من جنوب السودان
الخرطوم: شذى مصطفى
عندما أخرجت ستيلا قايتانو، أخيرا، أول مجموعة قصصية لها بعنوان «زهور ذابلة» عن «دار عزة للنشر»، لم تكن الدهشة من انها بقلم طالبة تدرس الصيدلة بجامعة الخرطوم وفى الثالثة والعشرين من عمرها، أو ان المجموعة خرجت إلى النور في بلد لا تزال الكاتبات فيه قليلات، بل لأن مجموعة «زهور ذابلة» جاءت من فتاة جذورها من جنوب السودان، حيث اللغة الإنجليزية هي الأولى بجانب اللهجات المحلية. وقليل من أهل الجنوب من يجيد اللغة العربية، حتى من يقيم منهم بالشمال، ناهيك عن أن يكتب بها قصصا قصيرة تتطلب لغة رفيعة مكثفة مليئة بالحبكات الصغيرة والصور البلاغية لمشاهد حياتية، كما جاءت في مجموعة ستيلا قايتانو..
وفى مجموعتها التي تحتوي على ثماني قصص، تكتب ستيلا قايتانو عن حياة مجتمع الجنوبيين الذين نزحوا إلى الشمال هربا من حرب أهلية طويلة الأمد ليعيشوا في معسكرات خاصة حول العاصمة الخرطوم، التي تصف جغرافيتها على انها «بعيدة عن العاصمة بعد الصالحين عن الجحيم». وهناك قصص أخرى تصف فيها ستيلا الحياة الأولى بالجنوب وما فيها من ممارسات ومعتقدات حفظتها عن حكايا والديها وجداتها. فستيلا ولدت بالشمال ولم تزر الجنوب إلا لفترة قصيرة، إلا أنها ظلت ملتصقة به روحيا وتحن إلى مجتمع آبائها البسيط الذي تتوزع حياة أهله بين صيد الأفيال والغزلان، والرقص في الليالي القمرية على إيقاع الطبول وشرب الخمر البلدي «المريسة»، رجالا ونساء، ووسط غابات بكر غاية في الجمال، وأمطار لا يتوقف هطولها طيلة العام تخترقها صواعق قاتلة. تصف ستيلا هذا العالم قائلة: «إذا اقتحمته أعطاك الخير والشر بذات القدر، يمنحك الخوف والأمان، الموت والحياة وكل المتناقضات»..
قصص ستيلا عموما تسودها السوداوية والتشاؤم، فغالبا ما تنتهي بموت أبطالها أو جنونهم أو فقدان لأمل يبرق فجأة لصاحبه ثم يختفي لسنوات مخلفا إياه مرة أخرى في مجرى حياته البائسة، فمعظم شخوصها «زهور ذابلة»!
وفى قصتها الأولى «نحو الجنون» وهى أطول قصص المجموعة، تكتب ستيلا عن معسكر النازحين حول العاصمة، المعسكر الذي لا يذكر اسمه إلا في تحقيقات أروقة الشرطة عند حدوث نزاع أو في الصحف في قرارات الإزالة أو الترحيل، يعيش النازحون الجنوبيون فيه بقاماتهم السوداء الفارعة كظلال للمدينة، أما ماذا يحدث داخل تلك المعسكرات فلا أحد يهتم، عند زحفهم للمعسكرات هروبا من الحرب أمّلوا أنفسهم على العيش فيها لفترة قصيرة أو مؤقتة ظانين أن عودتهم ستكون قريبة، إلا أنها ستمتد لسنوات وسنوات. كانوا يتحاشون في أعمالهم اليومية الشاقة تذكر موطنهم وحياتهم السهلة بالجنوب لكي لا تقتلهم الحسرات، تصف ستيلا الأب يرقد على الفراش «والسل يدب في أحشائك دبيب السوس في العود، تحولت كلماتك إلى سعال وصديد، وعظامك البارزة مواسير تنساب فيها الحمى، لا شيء في جسدك صحيح إلا عيناك ترقب بهما زوجتك التي تعمل بنشاط نمل، لا تعلم متى تنام، فأنت ترصد استيقاظها ليل نهار، ليل تسهر معك لتخفف عنك الألم والحمى، في ذات الوقت تصنع الخمر لتتعيش منها، فهي مثل عمال المناجم، تتصبب عرقا ودموعا».. وتصف ستيلا الصراع النفسي الداخلي للزوج لتغوص في أعماق الرجل الذي لا يملك شيئا لأسرته بل يمثل عبئا عليها وتخاطبه بعبارة «أنت» لتقرب المشهد للقارئ وتضعه في بؤرة الانفعال. ثم تصف القاصة بعد ذلك الحياة القاسية بالمعسكرات وصفا دقيقا مؤثرا «التي لها إجابة واحدة وهى: «لا خيار!»، ثم شاحنات الإغاثة الأميركية للمعسكر ـ رغم كتابات المؤامرات والنوايا والحملات المضادة لها والسفسطة والجدل من المثقفين والمعنيين ـ إلا أن تلك الإغاثة لا تعني شيئا لهؤلاء النازحين البائسين غير حمل أوانيهم وقدورهم والوقوف في صفوف طويلة من شروق الشمس حتى غروبها لملء بطونهم الجائعة..
ويأتي اهتمام الحكومة في عربات الشرطة المفاجئة لتعتقل النساء اللواتي يصنعن الخمر، وتترك الأم زوجها صريع المرض وطفليها الصغيرين، وتسجن وتخرج بعد ثلاثة أشهر لتجد أن زوجها رحل عن الحياة وغرفتها الوحيدة هدمتها بلدوزرات التخطيط، وضاع طفلاها.. «دمدمت مثل السماء وبرقت عيناها، صرخت صراخا لمّ الحي كله وأيقظه من سكرته وغيابه وبكت وولولت بكل اللغات التي تعرفها، ناحت وأنت كل خلية فيها، طفرت دموعا جرفت حزن العالم كله وغضب الدم وغبن القلب«.. وتقابلوا جميعا في أحد أيام بحثها الطويلة إلا أنها لا تعرفهما بل تجري بعيدا عنهما!، فقد «غارت العيون ليسكنها الجنون، كما غابت هى في طريق البحث وضاعت، ولكن في غيابها كانت دوما تلعن وترحل وتسأل عن قبر وبيت وطفلين يتيمين»..
القصة الثانية «وليمة ما قبل المطر»، يظهر فيها تأثر ستيلا بأدب أميركا اللاتينية وهي ـ في حديث لها لـ «الشرق الأوسط» تقول انها تقرأ كثيرا لجارسيا ماركيز وإليزابيث الليندي اللذين تختلط في رواياتهما الفانتازيا بالواقع لدرجة تصعب الفصل بينهما ومعرفة أيهما الحقيقي؟!، وإن كانت معظم الثقافات تضم في بطونها الخيال الخصب والأساطير، فبطل قصتها «أولير» يدب فيه النعاس ثم النوم العميق عند بداية هطول الأمطار بسبب دعاء له من جدته وهو صغير لتحميه من الصواعق. يكبر أولير ليصبح بطلا محبوبا في قريته إلا أن الأمطار تبدأ في الهطول يوما ما أثناء سباحته في النهر الهائج بعد عملية إنقاذ قام بها لأقرانه «فبدأت أطرافه تسترخي وهو يصارع أقوى اثنين، مياه نهر هائج ولعنة الجدة».. فيسيطر عليه النعاس وينام وسط النهر لتجرفه الأمواج بعيدا..
القصة الثالثة، «خرائط لعوالم مجهولة» عن طفل يتيم في الثأمنة، يتسول هو وأخته الكسيحة التي يحملها على ظهره طيلة اليوم، وتقوم هي بالنشل أيضا، مأواهما الشارع بقرب الجامع الكبير بالخرطوم «فى إشارة إلى تجاهل المجتمع»، ويصف الطفل «لكل شيء بقايا وأوساخ يجب أن تلقى، فنحن قاذورات البشر يجب أن تلقى على الرصيف».. ورغم تشاجر الأخ وأخته مرارا، إلا أنه لا يلبث أن يعود إليها في آخر الليل، فهي برغم كساحها وعنفها معه تمثل الحبل أو الملاذ الوحيد الذي يربطه بالحياة!..
تذكر الصحف تلك المعاناة في تحقيقات تجريدية رقمية من حين لآخر، إلا أن من ميزات السرد القصصي أنه يضع الصورة التفصيلية لحياة يومية بكل المشاعر والصراع النفسي للبشر، فهذه القصص تفضح المجتمع وتعريه، تظهر اللامبالاة والفردية، والكل يجري لمشاغله وشؤونه الخاصة، وأمراء حرب وسياسيون لا يهمهم إلا تأجيج الصراع أو النصر الحزبي، وطبقات تعيش في ثراء فاحش تقرأ عن الحرب والتسلح في الصحف، غافلة عن مخلفات الحرب التي تحوم بين قدميها وسياراتها الفارهة في أشكال آدمية صغيرة..
وكذا تمضي بقية القصص «رحيل» و«فى ليلة قمرية» إلى ان نصل إلى قصتها الأخيرة بعنوان «بحيرة بحجم ثمرة الباباي»، هنا تكون الراوية لأول مرة طرفا في القصة، تسترجع وتحكي فيها علاقتها العميقة بجدتها ـ بسبب وفاة والدتها أثناء ولادتها ـ لتحتضنها الجدة من يومها الأول وترضعها حتى سن العاشرة!..وتصف بطلة القصة ـ الراوية ـ المنازل بالجنوب ورعي الأطفال للأبقار وبعض العادات والمعتقدات.
«عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز كانت لا تدري من الدنيا شيئا، ولكنها كانت تتعبني جدا، خاصة بعد ذهاب صديقاتها، بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر، كانت تتكلم مع الموتى، كانت تقول لأمي: أنت يا ابنتي لولا خوفك من الولادة وربطك الولادة بالموت لما مت.. وأنت يا ماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك، أما أنت يا زوجي العزيز فقد قتلك جهلك، ثم تلتفت إلىّ بعينيها المنتفختين وتسألني: أتعلمين قصة موت جدك؟ ـ لا يا جدتي. رغم أني كنت أعرف القصة وأحفظها عن ظهر قلب، إلا أن ردي لا يعني لها شيئا، سواء كان بلا أو نعم، لأنها كانت ستسردها في الحالتين، ثقل لسانها وأخذت الكلمات تخرج ملتوية «لقد قتل جدك أحد الإنجليز في زمن الاستعمار، فحكمت عليه المحكمة بالإعدام وهو لا يدري ذلك، كتب الحكم في ورقة وكان عليه أن يقطع مسافة طويلة لتنفيذه في مكان آخر، كان جدك الغبي سعيدا لأن الإنجليز أعطوه ورقة وقالوا له اذهب سوف يلقاك أناس هناك أعطهم هذه الورقة، حمل الرسالة وقد وضعها بين شقي عود من البوص حتى لا تتسخ، فصنع لنفسه راية صغيرة وهو لا يدري أنها راية موته، عندما وصل نفذ الحكم فمات والدهشة مرتسمة على وجهه الغبي».
ومشهد أخير بالقصة تختم به ستيلا مجموعتها وبها نفحة نادرة من التفاؤل وتتطلع إلى المستقبل الذي يحمل أملا وإشراقا لحياة معظم الجنوبيين بعد حلول السلام وعودة اللاجئين إلى قراهم وأدغالهم..تخاطب الجدة حفيدتها: أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟ رأيته في صورة تمساح. عرفته من عرج قدمه، وصفات أخرى أعرفها أنا فقط، اننا لا نموت، بل نتحول إلى أشياء أخرى نحمل الصفات التي كنا عليها، نتحول ولكن من دون ذاكرة، فجدك لا يذكرني عندما تحول إلى تمساح.تسأل الحفيدة جدتها: وماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟
ـ لا أدري إلى ما سأتحول، ولكن أتمنى أن أتحول إلى نسر.
ومنذ أن ماتت جدتي وعلاقتي بالنسور قوية، كلما ألمح واحدا أتأمله في تحلقه عسى أن أجد فيه بعض صفات جدتي، ثديا بحجم ثمرة باباي، عينين حمراوين بجفنين منتفخين، ولبن بطعم الملح.
هذا الموضوع نقلا عن "الشرق الأوسط" اليوم
تعرية قاسية لمعاناة النازحين وصفاقة أمراء الحرب
«زهور ذابلة» قصص من جنوب السودان
الخرطوم: شذى مصطفى
عندما أخرجت ستيلا قايتانو، أخيرا، أول مجموعة قصصية لها بعنوان «زهور ذابلة» عن «دار عزة للنشر»، لم تكن الدهشة من انها بقلم طالبة تدرس الصيدلة بجامعة الخرطوم وفى الثالثة والعشرين من عمرها، أو ان المجموعة خرجت إلى النور في بلد لا تزال الكاتبات فيه قليلات، بل لأن مجموعة «زهور ذابلة» جاءت من فتاة جذورها من جنوب السودان، حيث اللغة الإنجليزية هي الأولى بجانب اللهجات المحلية. وقليل من أهل الجنوب من يجيد اللغة العربية، حتى من يقيم منهم بالشمال، ناهيك عن أن يكتب بها قصصا قصيرة تتطلب لغة رفيعة مكثفة مليئة بالحبكات الصغيرة والصور البلاغية لمشاهد حياتية، كما جاءت في مجموعة ستيلا قايتانو..
وفى مجموعتها التي تحتوي على ثماني قصص، تكتب ستيلا قايتانو عن حياة مجتمع الجنوبيين الذين نزحوا إلى الشمال هربا من حرب أهلية طويلة الأمد ليعيشوا في معسكرات خاصة حول العاصمة الخرطوم، التي تصف جغرافيتها على انها «بعيدة عن العاصمة بعد الصالحين عن الجحيم». وهناك قصص أخرى تصف فيها ستيلا الحياة الأولى بالجنوب وما فيها من ممارسات ومعتقدات حفظتها عن حكايا والديها وجداتها. فستيلا ولدت بالشمال ولم تزر الجنوب إلا لفترة قصيرة، إلا أنها ظلت ملتصقة به روحيا وتحن إلى مجتمع آبائها البسيط الذي تتوزع حياة أهله بين صيد الأفيال والغزلان، والرقص في الليالي القمرية على إيقاع الطبول وشرب الخمر البلدي «المريسة»، رجالا ونساء، ووسط غابات بكر غاية في الجمال، وأمطار لا يتوقف هطولها طيلة العام تخترقها صواعق قاتلة. تصف ستيلا هذا العالم قائلة: «إذا اقتحمته أعطاك الخير والشر بذات القدر، يمنحك الخوف والأمان، الموت والحياة وكل المتناقضات»..
قصص ستيلا عموما تسودها السوداوية والتشاؤم، فغالبا ما تنتهي بموت أبطالها أو جنونهم أو فقدان لأمل يبرق فجأة لصاحبه ثم يختفي لسنوات مخلفا إياه مرة أخرى في مجرى حياته البائسة، فمعظم شخوصها «زهور ذابلة»!
وفى قصتها الأولى «نحو الجنون» وهى أطول قصص المجموعة، تكتب ستيلا عن معسكر النازحين حول العاصمة، المعسكر الذي لا يذكر اسمه إلا في تحقيقات أروقة الشرطة عند حدوث نزاع أو في الصحف في قرارات الإزالة أو الترحيل، يعيش النازحون الجنوبيون فيه بقاماتهم السوداء الفارعة كظلال للمدينة، أما ماذا يحدث داخل تلك المعسكرات فلا أحد يهتم، عند زحفهم للمعسكرات هروبا من الحرب أمّلوا أنفسهم على العيش فيها لفترة قصيرة أو مؤقتة ظانين أن عودتهم ستكون قريبة، إلا أنها ستمتد لسنوات وسنوات. كانوا يتحاشون في أعمالهم اليومية الشاقة تذكر موطنهم وحياتهم السهلة بالجنوب لكي لا تقتلهم الحسرات، تصف ستيلا الأب يرقد على الفراش «والسل يدب في أحشائك دبيب السوس في العود، تحولت كلماتك إلى سعال وصديد، وعظامك البارزة مواسير تنساب فيها الحمى، لا شيء في جسدك صحيح إلا عيناك ترقب بهما زوجتك التي تعمل بنشاط نمل، لا تعلم متى تنام، فأنت ترصد استيقاظها ليل نهار، ليل تسهر معك لتخفف عنك الألم والحمى، في ذات الوقت تصنع الخمر لتتعيش منها، فهي مثل عمال المناجم، تتصبب عرقا ودموعا».. وتصف ستيلا الصراع النفسي الداخلي للزوج لتغوص في أعماق الرجل الذي لا يملك شيئا لأسرته بل يمثل عبئا عليها وتخاطبه بعبارة «أنت» لتقرب المشهد للقارئ وتضعه في بؤرة الانفعال. ثم تصف القاصة بعد ذلك الحياة القاسية بالمعسكرات وصفا دقيقا مؤثرا «التي لها إجابة واحدة وهى: «لا خيار!»، ثم شاحنات الإغاثة الأميركية للمعسكر ـ رغم كتابات المؤامرات والنوايا والحملات المضادة لها والسفسطة والجدل من المثقفين والمعنيين ـ إلا أن تلك الإغاثة لا تعني شيئا لهؤلاء النازحين البائسين غير حمل أوانيهم وقدورهم والوقوف في صفوف طويلة من شروق الشمس حتى غروبها لملء بطونهم الجائعة..
ويأتي اهتمام الحكومة في عربات الشرطة المفاجئة لتعتقل النساء اللواتي يصنعن الخمر، وتترك الأم زوجها صريع المرض وطفليها الصغيرين، وتسجن وتخرج بعد ثلاثة أشهر لتجد أن زوجها رحل عن الحياة وغرفتها الوحيدة هدمتها بلدوزرات التخطيط، وضاع طفلاها.. «دمدمت مثل السماء وبرقت عيناها، صرخت صراخا لمّ الحي كله وأيقظه من سكرته وغيابه وبكت وولولت بكل اللغات التي تعرفها، ناحت وأنت كل خلية فيها، طفرت دموعا جرفت حزن العالم كله وغضب الدم وغبن القلب«.. وتقابلوا جميعا في أحد أيام بحثها الطويلة إلا أنها لا تعرفهما بل تجري بعيدا عنهما!، فقد «غارت العيون ليسكنها الجنون، كما غابت هى في طريق البحث وضاعت، ولكن في غيابها كانت دوما تلعن وترحل وتسأل عن قبر وبيت وطفلين يتيمين»..
القصة الثانية «وليمة ما قبل المطر»، يظهر فيها تأثر ستيلا بأدب أميركا اللاتينية وهي ـ في حديث لها لـ «الشرق الأوسط» تقول انها تقرأ كثيرا لجارسيا ماركيز وإليزابيث الليندي اللذين تختلط في رواياتهما الفانتازيا بالواقع لدرجة تصعب الفصل بينهما ومعرفة أيهما الحقيقي؟!، وإن كانت معظم الثقافات تضم في بطونها الخيال الخصب والأساطير، فبطل قصتها «أولير» يدب فيه النعاس ثم النوم العميق عند بداية هطول الأمطار بسبب دعاء له من جدته وهو صغير لتحميه من الصواعق. يكبر أولير ليصبح بطلا محبوبا في قريته إلا أن الأمطار تبدأ في الهطول يوما ما أثناء سباحته في النهر الهائج بعد عملية إنقاذ قام بها لأقرانه «فبدأت أطرافه تسترخي وهو يصارع أقوى اثنين، مياه نهر هائج ولعنة الجدة».. فيسيطر عليه النعاس وينام وسط النهر لتجرفه الأمواج بعيدا..
القصة الثالثة، «خرائط لعوالم مجهولة» عن طفل يتيم في الثأمنة، يتسول هو وأخته الكسيحة التي يحملها على ظهره طيلة اليوم، وتقوم هي بالنشل أيضا، مأواهما الشارع بقرب الجامع الكبير بالخرطوم «فى إشارة إلى تجاهل المجتمع»، ويصف الطفل «لكل شيء بقايا وأوساخ يجب أن تلقى، فنحن قاذورات البشر يجب أن تلقى على الرصيف».. ورغم تشاجر الأخ وأخته مرارا، إلا أنه لا يلبث أن يعود إليها في آخر الليل، فهي برغم كساحها وعنفها معه تمثل الحبل أو الملاذ الوحيد الذي يربطه بالحياة!..
تذكر الصحف تلك المعاناة في تحقيقات تجريدية رقمية من حين لآخر، إلا أن من ميزات السرد القصصي أنه يضع الصورة التفصيلية لحياة يومية بكل المشاعر والصراع النفسي للبشر، فهذه القصص تفضح المجتمع وتعريه، تظهر اللامبالاة والفردية، والكل يجري لمشاغله وشؤونه الخاصة، وأمراء حرب وسياسيون لا يهمهم إلا تأجيج الصراع أو النصر الحزبي، وطبقات تعيش في ثراء فاحش تقرأ عن الحرب والتسلح في الصحف، غافلة عن مخلفات الحرب التي تحوم بين قدميها وسياراتها الفارهة في أشكال آدمية صغيرة..
وكذا تمضي بقية القصص «رحيل» و«فى ليلة قمرية» إلى ان نصل إلى قصتها الأخيرة بعنوان «بحيرة بحجم ثمرة الباباي»، هنا تكون الراوية لأول مرة طرفا في القصة، تسترجع وتحكي فيها علاقتها العميقة بجدتها ـ بسبب وفاة والدتها أثناء ولادتها ـ لتحتضنها الجدة من يومها الأول وترضعها حتى سن العاشرة!..وتصف بطلة القصة ـ الراوية ـ المنازل بالجنوب ورعي الأطفال للأبقار وبعض العادات والمعتقدات.
«عندما تسكر جدتي بذلك الخمر البلدي مع صديقاتها العجائز كانت لا تدري من الدنيا شيئا، ولكنها كانت تتعبني جدا، خاصة بعد ذهاب صديقاتها، بعد صخب من الرقص والغناء الفاتر، كانت تتكلم مع الموتى، كانت تقول لأمي: أنت يا ابنتي لولا خوفك من الولادة وربطك الولادة بالموت لما مت.. وأنت يا ماريو فقد قتلك التحدي رغم خوفك، أما أنت يا زوجي العزيز فقد قتلك جهلك، ثم تلتفت إلىّ بعينيها المنتفختين وتسألني: أتعلمين قصة موت جدك؟ ـ لا يا جدتي. رغم أني كنت أعرف القصة وأحفظها عن ظهر قلب، إلا أن ردي لا يعني لها شيئا، سواء كان بلا أو نعم، لأنها كانت ستسردها في الحالتين، ثقل لسانها وأخذت الكلمات تخرج ملتوية «لقد قتل جدك أحد الإنجليز في زمن الاستعمار، فحكمت عليه المحكمة بالإعدام وهو لا يدري ذلك، كتب الحكم في ورقة وكان عليه أن يقطع مسافة طويلة لتنفيذه في مكان آخر، كان جدك الغبي سعيدا لأن الإنجليز أعطوه ورقة وقالوا له اذهب سوف يلقاك أناس هناك أعطهم هذه الورقة، حمل الرسالة وقد وضعها بين شقي عود من البوص حتى لا تتسخ، فصنع لنفسه راية صغيرة وهو لا يدري أنها راية موته، عندما وصل نفذ الحكم فمات والدهشة مرتسمة على وجهه الغبي».
ومشهد أخير بالقصة تختم به ستيلا مجموعتها وبها نفحة نادرة من التفاؤل وتتطلع إلى المستقبل الذي يحمل أملا وإشراقا لحياة معظم الجنوبيين بعد حلول السلام وعودة اللاجئين إلى قراهم وأدغالهم..تخاطب الجدة حفيدتها: أتعلمين أني رأيت جدك قبل أيام؟ رأيته في صورة تمساح. عرفته من عرج قدمه، وصفات أخرى أعرفها أنا فقط، اننا لا نموت، بل نتحول إلى أشياء أخرى نحمل الصفات التي كنا عليها، نتحول ولكن من دون ذاكرة، فجدك لا يذكرني عندما تحول إلى تمساح.تسأل الحفيدة جدتها: وماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟
ـ لا أدري إلى ما سأتحول، ولكن أتمنى أن أتحول إلى نسر.
ومنذ أن ماتت جدتي وعلاقتي بالنسور قوية، كلما ألمح واحدا أتأمله في تحلقه عسى أن أجد فيه بعض صفات جدتي، ثديا بحجم ثمرة باباي، عينين حمراوين بجفنين منتفخين، ولبن بطعم الملح.
القصة عند استيلا قايتانو .. - زهور ذابلة - نموذجاً ( 2 – 5 )
في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات، دفعت بنبذة
مقتضبة عن الكاتبة استيلا قايتانو. ومن ثم استعرضت قصتها الأولى بمجموعتها (
زهور ذابلة ). أواصل في الحلقة الثانية، الحديث عن قصص هذه المجموعة.
نحو الجنون:
يمثل هذا العنوان، الجزئية الثانية والأخيرة من ( كل شيء هنا يغلي )، حيث عنونت القصة الأولى بعنوان آخر وهو: ( نحو الموت والسجون )، لتصبح القصة الثانية: ( كل شئ هنا يغلي "2" : نحو الجنون ).
تبتدر استيلا قصتها بهذه الفقرة: ( ما زال صرير بوابة السجن الكبير يزن في اذنيها عندما لفظها السجن من جحيمه إلى حجيم المدينة، اختلط الصرير بشخير البص القديم الذي يئن تحت وطأة السنين والشوارع الخربة ). (ص 21)
إذن البطلة أخيراً خارج أسوار السجن الكبير أو ( حوش البقر ) كما تسميه القاصة على لسان الرواي. وطوال مسيرة البص، كانت ذكريات السجن تترى في مخيلة البطلة. قبل أن تنتشلها من يم ذكرياتها، فرقعة أصابع الكسماري يطلب ثمن التذكرة. ولأنها كانت لا تملك أي نقود بحوذتها، فقد أشار الكسماري لسائق البص بالتوقف قبل أن يأمرها بالترجل. مما حدا بها إلى ان تخبر كسماري البص الآخر بأنها لا تملك نقوداً فوافق أن يقلها وارتقت البص الآخر على اثر هذه الموافقة.
وصلت بطلة القصة للمحطة الأخيرة وركبت مع غيرها من المواطنين في إحدى ( الكاروهات ) التي تجرها الحمير بعد أن استأذنت الصبي الذي يقود ( الكارو ) فوافق فوراً على أن يقلها دون نقود.
بعد كل تلك الأشهر التي قضتها في السجن لاحظت الفرق فقد اختفت الشوارع الثعبانية. واختفت معها كذلك عدداً من البيوت لتصبح أماكنها خالية جرداء. وهنالك بئر ارتوازية حلت محل الطاحونة المائية. سألت عن السبب فأخبروها بأنه التخطيط.
فكرت في اسرتها وشرعت بالعدو كي تدركهم وصدق حدسها، فهنالك زريبة لتجار يبيعون البلح والحطب ولاخميرة مكان غرفتها!. ابصرتها احدى جارتها فهرولت إليها معانقة وباكية ومعزية في زوجها. ( دمدمت مثل السماء وبرقت عينيها، صرخت صراخاً لم الحي كله وايقظه من سكرته وغيابه، وبكت وولولت بكل اللغات التي تعرفها .. ناحت وأنت كل خلية فيها، طفرت دموع جرفت حزن العالم كله وغضب الدم وغبن القلب ). ( ص 24 )
ولم تتوقف بطلة القصة عن تعابيرها الحزينة وسط الجموع التي تحلقت حولها ( هي تقف في الوسط ترتجف من الفجية، بكت معها النسوة في حرقة، ثم أخذت تسب وتلعن .. سبت الشماليين، وسبت الجنوبيين، ثم كوّرت كفها وامسكت معصمها في حركة بذيئة، وسبت مؤخرة أم الحرب .. وسقطت مغشياً عليها ). ( ص 24 )
بعد أن افاقت من غيبوبتها، سألت عن قبر زوجها والتوأمين. ولأنها لم تجد أي إجابة من الجيران فقد شرعت في رحلة البحث الطويل عن تؤام وقبر حتى انتهى بها الأمر إلى أنها ( كانت تحرك شفتيها لأن منلوجها الداخلي بدأ يغلي ويخرج بخاراً .. كانت تسأل وتلعن وترحل من الأقاصي إلى الأقاصي ). ( ص 26 )
وكانت النتيجة الحتمية: ( ... وعندما خرج لها طفلاها ذات يوم من بركة التشرد، تصادفوا، انكمشا منها وهربت هي منهما، وكانت تعض على أصابعها ولعابها يسيل في غزارة دموعها .. هربت وهي تعرج فأصبحت مشيتها قردية وتغطيها بعض الخرق، ركض خلفها ولكنها هربت تبكي حيناً وتضحك حيناً، يئسا وعادا متدحرجين إلى بركتهما وغابا كما غابت هي في طريق البحث وضاعت، ولكن في غيابها كانت دوماً تلعن وترحل وتسأل عن قبر وبيت وطفلين يتيمين ). (ص 26 ).
وليمة ما قبل المطر:
تشير القصة إلى أن ( " أولير " اسمه يعني العراء، ذلك لأن أمه انجبته هناك عندما داهما المخاض وهي تحتطب، بلدته محاطة بالغابة والسماء ). ( ص 31 )
وتواصل استيلا قايتانو في قصتها الثالثة ( وليمة ما قبل المطر ) سردها الساحر: أولير ( كان يغط في نوم عميق عندما بدأ ذلك الظل يزحف بطيئاً نحو بلدته فبدأت مثل انسان ضحم يسحب غطاء نحو جسده ). ( ص 31 ) وكان الأجواء الخريفية تطل من سطور القصة فالشمس متوارية خلف الغيوم الداكنة والاشجار الضخمة تتمايل اغصانها بفعل رياح خفيفة ( تلوح لكرنفال الطبيعة المفاجئة .. بدأت النسوة نصف العاريات في التحرك مثل سرب النحل، يشرعن في نقل ما نشرنه من بافرا وذرة نابت إلى داخل الأكواخ، كن يتصايحن راطنات، تنبه كل الاخرى او تمازحها، واخريات مهرولات وعلى رؤوسهن قدور الماء والصغيرات. كان الماء ينحدر على صدورهن النابتة فيضفي لوناً اسود مصقول على بشرتهن). ( ص 31 ).
أما الرجال فقد كانوا جلوساً ( تحت سقيفة ضخمة تجاور ساحة الرقص، يتوسطهم مدفاة من الأخشاب الجافة لاشعالها عند هطول الامطار في صخب من الضحك والغناء، غناء اطلقته اخواتهم أو حبيباتهم، واصفاتهم بالشجاعة والقوة ويتخلل الأغنية بعض الغزل، كان المقصود بالوصف يهب واقفاً ضارباً أرجله بالأرض ملوحاً برمحه في الفضاء كأنه يقاتل عدواً لا يراه أحد سواه ). ( ص 31 ).
وماذا عن الاطفال ( عالم آخر طفولي، تشده شجرة " عرديب " ضخمة مغرية أياه بالثمار الرطبة التي تساقطت بفعل الرياح، بعضهم كان باسطاً ذراعيه مثل طائر منشدين أغنية المطر: " ماترا تالي .. سكي سكي ما تجي .. ماترا تالي .. سكي سكي ما تجي" أيتها الغيوم صُبيّ .. إذا كنت رزازاً فلا تأتي .. فلا تأتي ). ( ص 31 )
في هذا الأجواء ( ركض صديقا " أولير " طفلين في السادسة من العمر، يشدك ذاك البريق الذي في عينيهما شداً، اتجها نحو خالتهما لتوقظه لهم حتى لا تفوته وليمة ما قبل المطر، رفضت في حنو قائلة: " ليس من اللائق إيقاظ النائم، لانه بحاجة إلى ذلك وإلا لم ينم!" اظهر بعض الرضا عائدين إلى الشجرة ). ( ص 32 ).
ثم إن المطر قد هطل غزيراً. وجعلت أم " أولير " تحمل بعض الأخشاب الجافة إلى الداخل للتدفئة. ( وذلك الكائن خلف السحب يصدر أصوات مكتومة مصاحبة لبرق قوي ). ( ص 32 )
وتواصل الطبيعة ما بدأته في تلك البقعة من الأرض في ذلك الزمان ( فجأةً انفجار هائل، ثم برق طويل يخطف البصر، كأن هناك من أمسك بتلابيب السماء ومزقها إلى شطرين، تلجمت القرية وهي تسمع إلى ذلك الطنين الذي ينزلق في دهاليز آذانهم، والكل على يقين بأن هذه الصاعقة قد وصلت الأرض لا محالة ). ( صفحتي 32 و33 )
في الصباح كانت المفاجأة المحزنة - أو البشعة إن شئت – فقد اصبحت القرية على ولوة النسوة اللاتي تتراقص اكواخهن بجوار شجرة العرديب الضخمة، عفواً كانت حتى البارحة ضخمة قبل أن تشطرها الصاعقة إلى نصفين ( صرخت إحداهن منبةً القوم على أن هناك طفلين تعرضا لضربة الصاعقة، تبعثر الجمع للبحث عن الجثتين لابد ان الصاعقة قد القتهما بعيداً عثروا عليهما، التفوا حولهما ينظرون في رعب إلى الشريط الاسود الذي يمتد من رأسيهما إلى ما بين فخذيهما، شريطاً يوضح ذلك الاحتراق المفاجئ كأنهما انشطرا وتم لحامهما مرة أخرى، ثم ثمار متفحمة التصقت على كفيهما الصغيرتين ). ( ص 33 ).
كانت الجثتان الصغيرتين تنتميا لصديقيّ " أولير " .. ( تفلت جدة أولير لعاباً داكناً بفعل التمباك على رأس حفيدها المحبوب قائلة: اشكر من جعلك تنام في هذا الوقت بالذات فقد انقذك النوم من موت محقق، ويعلم الله إذا مت لكنت لاحقة بك لا محالة لذا ستنام كلما بدأت الأمطار في الهطول مدى حياتك ). ( ص 34 ).
حاول الاهل والجيران اخفاء الأمر عن أولير ولكن الطفل رأى ما حدث لرفيقيه فأرتمى في حجر جدته باكياً ( مرتعد الأوصال وذاك الشريط الاسود يتقافز أمام عينه، هذا يعني الموت! موت صديقيه يعني انهما لن يلعبا معه لعبة الاستخباء، الموت يعني انهما لن يزجرا الطير من المزارع وهم يعلمون الببغاوات الشتائم المصاحبة لاسماء اصحاب مزارع الفاكهة البخلاء الذين لا يسمحون لهم بأكلها، ويغرقون في الضحك عندما يسمعون صاحب الاسم يتبادل الشتائم مع الببغاوات مرشقاً إياها بالحجارة ). (ص 34 )
أما " أولير " فبرغم موت جدته وبرغم انه صار شاباً قوياً ( يرقص بكل طاقته فينال بذلك اعجاب الفتيات اللاتي تتدافعن ليراقصهن. يجيد السباحة كأنه من سكان النهر، يتسلق الاشجار مثل قرد، الكل يستقبله باستحسان لسماحته مع الكل، كان عيبه الوحيد النوم عند هطول المطر ). ( ص 35 )
وسبب نوم " أولير " هي لعنة جدته التي دعت عليه بأن ينام كلما هطل المطر. ( أحياناً كان يأتي محمولاً على كتف أصدقائه عندما ينام في رحلة صيد أو أي مكان آخر. كانت امه تراقبه وتوصيه بأنه إذا احس بقرب المطر يجب ان يعود إلى البيت، ولكنه كثيراً ما يندمج مع اصدقائه ينسى حتى تداهمه الأمطار وسرعان ما ينام لتعود به الذاكرة اللعينة إلى عمر السادسة ). ( ص 35 )
ولكن قلب الأم لا يهنأ حتى ترتاح على مصير صغيرها ( أولير الشاب ) فالتجأت إلى عرافة بالجوار علها تذهب عن ابنها اللعنة. ولأن ( سمح الغنا في خشم سيده ) - على حد تعبير مقولتنا السودانية – أي ان الحديث لا يحلو إلا من فم صاحبه. فلتقرأ ما كتبت استيلا على لسان الراوي، واصفةً أجواء العرافة حينما التقت أولير وأمه ( كانت العرافة معطية ظهرها لهم وجسمها ملئ بالأحجية والتمائم، أحس " أولير " بالتقيؤ عندما اخترقت تلك الروائح الغريبة انفه، واضطرب عندما لمح ثعبان كبير يقبع في قرعة كبيرة، وقرعة أخرى ملئ بالدماء وطائر غريب يصدر أصواتاً آدمية، نطقت العرافة بإسمه كأنها تعرفه عن كثب وسألته بما يحس به أثناء هطول المطر حكى لها كل شئ، بعد ذلك اصدرت بعض الأصوات المخيفة والأبخرة تتصاعد نحو السقف المخروطي، اعطت الأوامر للطائر الغريب الذي طار خارجاً ثم عاد بعد قليل ليخبرها بأن الجدة هي التي لعنت حفيدها خوفاً عليه، طلبت العرافة معزة سوداء وبقرة حلوب، على أن يتم العلاج غداً صباحاً قبل شروق الشمس ). ( ص 36 )
اراد اصدقاء " أولير " الاحتفاء بدنو خلاص صديقهم من اللعنة، بعد ان سمعوا منه ما دار بينه وبين العرافة وكانوا في طريقهم إلى رحلة صيد حاملين ادواته. تاركين نسوة القرية منهمكات في صنع الطعام و( المريسة ) – والمريسة هو نوع من الخمور البلدية التي تصنع في السودان من الذرة النابت ولعلها تصنع في بعض دول الجوار كذلك – وكان الاجواء احتفالية في تلك القرية التي تحيطها الخضرة.
في الغابة أوغل الاصدقاء في سيرهم مرددين أغانٍ زنجية تتحدث عن القوة والشجاعة وفي هذه الاثناء تبلدت السماء بالسحب فارتبك " أولير " وأراد الرجوع فعلم اصدقاؤه السبب فنصحوه بمرافقتهم لأن طريق العودة للقرية طويل جداً واقنعوه بأن يظل بصحبته فإن هطلت الامطار ونام فسيحملوه في طريق العودة للقرية ( .. عموماً فهو آخر يوم لهذه اللعنة فدعنا نستمتع ونحن نرفعك على اكتافنا للمرة الأخيرة، فلن نحملك بعد اليوم ). ( ص 37 )
اثناء سيره في الغابة اعترضهم نهر سريع الجريان فسألهم " أولير " عن اجادتهم للسباحة فأنقسم الاصدقاء إلى فرقتين، فرقة قادرة على السباحة بامتياز وأخرى لا تجيد السباحة. فإنبرى " أولير " لإنقاذ كل من لا يجيد السباحة حتى يجتاز النهر ولما تمكن الجميع من العبور للضفة الأخرى عاد " أولير " مرة أخرى للنهر فلابد من ان يحضر الاقواس والرماح من ضفته الأخرى ولكن المطر بدأت قطراته تغازل جسد النهر و " أولير " يشق الماء بكل قوته. غير ان المطر اشتد هطوله واشتد الأمر على " أولير " .. ( بدأت اطرافه تسترخي وهو يصارع أقوى أثنين، مياه نهر هائج ولعنة الجدة). ( ص 37 )
وكانت النهاية الحتمية لبطلنا أولير ( .. عندما ابتلعته الأمواج والنهر مثل حيوان ضخم يتقلب في مرقده مبتلعاً كل شئ حتى جذوع الاشجار، و" أولير " في احضان الطبيعة يتحول إلى طفل في السادسة يتنهد في حجر جدته ذات الرائحة النفاذة وهو يراقب قملة تزحف متكاسلة ثم تندس بين طيات تنورتها، وذلك اللعاب الداكن يثقل فروة رأسه، فأس يهوي من السماء شاطراً شجرة إلى نصفين ثم نزيف دخاني وسائل أخضر، جثث تتدرج وقبر متشقق.
( تركوه هناك نائماً نومته الأبدية، غارقاً في لعنة جدته، والنهر يأخذه بعيداً عن انشودة المطر، بعيداً عن القرية المحاطة بالغابة والسماء، بعيداً عن البافرا وورق الموز). ( ص 38)
-أواصل بإذن الله -
نحو الجنون:
يمثل هذا العنوان، الجزئية الثانية والأخيرة من ( كل شيء هنا يغلي )، حيث عنونت القصة الأولى بعنوان آخر وهو: ( نحو الموت والسجون )، لتصبح القصة الثانية: ( كل شئ هنا يغلي "2" : نحو الجنون ).
تبتدر استيلا قصتها بهذه الفقرة: ( ما زال صرير بوابة السجن الكبير يزن في اذنيها عندما لفظها السجن من جحيمه إلى حجيم المدينة، اختلط الصرير بشخير البص القديم الذي يئن تحت وطأة السنين والشوارع الخربة ). (ص 21)
إذن البطلة أخيراً خارج أسوار السجن الكبير أو ( حوش البقر ) كما تسميه القاصة على لسان الرواي. وطوال مسيرة البص، كانت ذكريات السجن تترى في مخيلة البطلة. قبل أن تنتشلها من يم ذكرياتها، فرقعة أصابع الكسماري يطلب ثمن التذكرة. ولأنها كانت لا تملك أي نقود بحوذتها، فقد أشار الكسماري لسائق البص بالتوقف قبل أن يأمرها بالترجل. مما حدا بها إلى ان تخبر كسماري البص الآخر بأنها لا تملك نقوداً فوافق أن يقلها وارتقت البص الآخر على اثر هذه الموافقة.
وصلت بطلة القصة للمحطة الأخيرة وركبت مع غيرها من المواطنين في إحدى ( الكاروهات ) التي تجرها الحمير بعد أن استأذنت الصبي الذي يقود ( الكارو ) فوافق فوراً على أن يقلها دون نقود.
بعد كل تلك الأشهر التي قضتها في السجن لاحظت الفرق فقد اختفت الشوارع الثعبانية. واختفت معها كذلك عدداً من البيوت لتصبح أماكنها خالية جرداء. وهنالك بئر ارتوازية حلت محل الطاحونة المائية. سألت عن السبب فأخبروها بأنه التخطيط.
فكرت في اسرتها وشرعت بالعدو كي تدركهم وصدق حدسها، فهنالك زريبة لتجار يبيعون البلح والحطب ولاخميرة مكان غرفتها!. ابصرتها احدى جارتها فهرولت إليها معانقة وباكية ومعزية في زوجها. ( دمدمت مثل السماء وبرقت عينيها، صرخت صراخاً لم الحي كله وايقظه من سكرته وغيابه، وبكت وولولت بكل اللغات التي تعرفها .. ناحت وأنت كل خلية فيها، طفرت دموع جرفت حزن العالم كله وغضب الدم وغبن القلب ). ( ص 24 )
ولم تتوقف بطلة القصة عن تعابيرها الحزينة وسط الجموع التي تحلقت حولها ( هي تقف في الوسط ترتجف من الفجية، بكت معها النسوة في حرقة، ثم أخذت تسب وتلعن .. سبت الشماليين، وسبت الجنوبيين، ثم كوّرت كفها وامسكت معصمها في حركة بذيئة، وسبت مؤخرة أم الحرب .. وسقطت مغشياً عليها ). ( ص 24 )
بعد أن افاقت من غيبوبتها، سألت عن قبر زوجها والتوأمين. ولأنها لم تجد أي إجابة من الجيران فقد شرعت في رحلة البحث الطويل عن تؤام وقبر حتى انتهى بها الأمر إلى أنها ( كانت تحرك شفتيها لأن منلوجها الداخلي بدأ يغلي ويخرج بخاراً .. كانت تسأل وتلعن وترحل من الأقاصي إلى الأقاصي ). ( ص 26 )
وكانت النتيجة الحتمية: ( ... وعندما خرج لها طفلاها ذات يوم من بركة التشرد، تصادفوا، انكمشا منها وهربت هي منهما، وكانت تعض على أصابعها ولعابها يسيل في غزارة دموعها .. هربت وهي تعرج فأصبحت مشيتها قردية وتغطيها بعض الخرق، ركض خلفها ولكنها هربت تبكي حيناً وتضحك حيناً، يئسا وعادا متدحرجين إلى بركتهما وغابا كما غابت هي في طريق البحث وضاعت، ولكن في غيابها كانت دوماً تلعن وترحل وتسأل عن قبر وبيت وطفلين يتيمين ). (ص 26 ).
وليمة ما قبل المطر:
تشير القصة إلى أن ( " أولير " اسمه يعني العراء، ذلك لأن أمه انجبته هناك عندما داهما المخاض وهي تحتطب، بلدته محاطة بالغابة والسماء ). ( ص 31 )
وتواصل استيلا قايتانو في قصتها الثالثة ( وليمة ما قبل المطر ) سردها الساحر: أولير ( كان يغط في نوم عميق عندما بدأ ذلك الظل يزحف بطيئاً نحو بلدته فبدأت مثل انسان ضحم يسحب غطاء نحو جسده ). ( ص 31 ) وكان الأجواء الخريفية تطل من سطور القصة فالشمس متوارية خلف الغيوم الداكنة والاشجار الضخمة تتمايل اغصانها بفعل رياح خفيفة ( تلوح لكرنفال الطبيعة المفاجئة .. بدأت النسوة نصف العاريات في التحرك مثل سرب النحل، يشرعن في نقل ما نشرنه من بافرا وذرة نابت إلى داخل الأكواخ، كن يتصايحن راطنات، تنبه كل الاخرى او تمازحها، واخريات مهرولات وعلى رؤوسهن قدور الماء والصغيرات. كان الماء ينحدر على صدورهن النابتة فيضفي لوناً اسود مصقول على بشرتهن). ( ص 31 ).
أما الرجال فقد كانوا جلوساً ( تحت سقيفة ضخمة تجاور ساحة الرقص، يتوسطهم مدفاة من الأخشاب الجافة لاشعالها عند هطول الامطار في صخب من الضحك والغناء، غناء اطلقته اخواتهم أو حبيباتهم، واصفاتهم بالشجاعة والقوة ويتخلل الأغنية بعض الغزل، كان المقصود بالوصف يهب واقفاً ضارباً أرجله بالأرض ملوحاً برمحه في الفضاء كأنه يقاتل عدواً لا يراه أحد سواه ). ( ص 31 ).
وماذا عن الاطفال ( عالم آخر طفولي، تشده شجرة " عرديب " ضخمة مغرية أياه بالثمار الرطبة التي تساقطت بفعل الرياح، بعضهم كان باسطاً ذراعيه مثل طائر منشدين أغنية المطر: " ماترا تالي .. سكي سكي ما تجي .. ماترا تالي .. سكي سكي ما تجي" أيتها الغيوم صُبيّ .. إذا كنت رزازاً فلا تأتي .. فلا تأتي ). ( ص 31 )
في هذا الأجواء ( ركض صديقا " أولير " طفلين في السادسة من العمر، يشدك ذاك البريق الذي في عينيهما شداً، اتجها نحو خالتهما لتوقظه لهم حتى لا تفوته وليمة ما قبل المطر، رفضت في حنو قائلة: " ليس من اللائق إيقاظ النائم، لانه بحاجة إلى ذلك وإلا لم ينم!" اظهر بعض الرضا عائدين إلى الشجرة ). ( ص 32 ).
ثم إن المطر قد هطل غزيراً. وجعلت أم " أولير " تحمل بعض الأخشاب الجافة إلى الداخل للتدفئة. ( وذلك الكائن خلف السحب يصدر أصوات مكتومة مصاحبة لبرق قوي ). ( ص 32 )
وتواصل الطبيعة ما بدأته في تلك البقعة من الأرض في ذلك الزمان ( فجأةً انفجار هائل، ثم برق طويل يخطف البصر، كأن هناك من أمسك بتلابيب السماء ومزقها إلى شطرين، تلجمت القرية وهي تسمع إلى ذلك الطنين الذي ينزلق في دهاليز آذانهم، والكل على يقين بأن هذه الصاعقة قد وصلت الأرض لا محالة ). ( صفحتي 32 و33 )
في الصباح كانت المفاجأة المحزنة - أو البشعة إن شئت – فقد اصبحت القرية على ولوة النسوة اللاتي تتراقص اكواخهن بجوار شجرة العرديب الضخمة، عفواً كانت حتى البارحة ضخمة قبل أن تشطرها الصاعقة إلى نصفين ( صرخت إحداهن منبةً القوم على أن هناك طفلين تعرضا لضربة الصاعقة، تبعثر الجمع للبحث عن الجثتين لابد ان الصاعقة قد القتهما بعيداً عثروا عليهما، التفوا حولهما ينظرون في رعب إلى الشريط الاسود الذي يمتد من رأسيهما إلى ما بين فخذيهما، شريطاً يوضح ذلك الاحتراق المفاجئ كأنهما انشطرا وتم لحامهما مرة أخرى، ثم ثمار متفحمة التصقت على كفيهما الصغيرتين ). ( ص 33 ).
كانت الجثتان الصغيرتين تنتميا لصديقيّ " أولير " .. ( تفلت جدة أولير لعاباً داكناً بفعل التمباك على رأس حفيدها المحبوب قائلة: اشكر من جعلك تنام في هذا الوقت بالذات فقد انقذك النوم من موت محقق، ويعلم الله إذا مت لكنت لاحقة بك لا محالة لذا ستنام كلما بدأت الأمطار في الهطول مدى حياتك ). ( ص 34 ).
حاول الاهل والجيران اخفاء الأمر عن أولير ولكن الطفل رأى ما حدث لرفيقيه فأرتمى في حجر جدته باكياً ( مرتعد الأوصال وذاك الشريط الاسود يتقافز أمام عينه، هذا يعني الموت! موت صديقيه يعني انهما لن يلعبا معه لعبة الاستخباء، الموت يعني انهما لن يزجرا الطير من المزارع وهم يعلمون الببغاوات الشتائم المصاحبة لاسماء اصحاب مزارع الفاكهة البخلاء الذين لا يسمحون لهم بأكلها، ويغرقون في الضحك عندما يسمعون صاحب الاسم يتبادل الشتائم مع الببغاوات مرشقاً إياها بالحجارة ). (ص 34 )
أما " أولير " فبرغم موت جدته وبرغم انه صار شاباً قوياً ( يرقص بكل طاقته فينال بذلك اعجاب الفتيات اللاتي تتدافعن ليراقصهن. يجيد السباحة كأنه من سكان النهر، يتسلق الاشجار مثل قرد، الكل يستقبله باستحسان لسماحته مع الكل، كان عيبه الوحيد النوم عند هطول المطر ). ( ص 35 )
وسبب نوم " أولير " هي لعنة جدته التي دعت عليه بأن ينام كلما هطل المطر. ( أحياناً كان يأتي محمولاً على كتف أصدقائه عندما ينام في رحلة صيد أو أي مكان آخر. كانت امه تراقبه وتوصيه بأنه إذا احس بقرب المطر يجب ان يعود إلى البيت، ولكنه كثيراً ما يندمج مع اصدقائه ينسى حتى تداهمه الأمطار وسرعان ما ينام لتعود به الذاكرة اللعينة إلى عمر السادسة ). ( ص 35 )
ولكن قلب الأم لا يهنأ حتى ترتاح على مصير صغيرها ( أولير الشاب ) فالتجأت إلى عرافة بالجوار علها تذهب عن ابنها اللعنة. ولأن ( سمح الغنا في خشم سيده ) - على حد تعبير مقولتنا السودانية – أي ان الحديث لا يحلو إلا من فم صاحبه. فلتقرأ ما كتبت استيلا على لسان الراوي، واصفةً أجواء العرافة حينما التقت أولير وأمه ( كانت العرافة معطية ظهرها لهم وجسمها ملئ بالأحجية والتمائم، أحس " أولير " بالتقيؤ عندما اخترقت تلك الروائح الغريبة انفه، واضطرب عندما لمح ثعبان كبير يقبع في قرعة كبيرة، وقرعة أخرى ملئ بالدماء وطائر غريب يصدر أصواتاً آدمية، نطقت العرافة بإسمه كأنها تعرفه عن كثب وسألته بما يحس به أثناء هطول المطر حكى لها كل شئ، بعد ذلك اصدرت بعض الأصوات المخيفة والأبخرة تتصاعد نحو السقف المخروطي، اعطت الأوامر للطائر الغريب الذي طار خارجاً ثم عاد بعد قليل ليخبرها بأن الجدة هي التي لعنت حفيدها خوفاً عليه، طلبت العرافة معزة سوداء وبقرة حلوب، على أن يتم العلاج غداً صباحاً قبل شروق الشمس ). ( ص 36 )
اراد اصدقاء " أولير " الاحتفاء بدنو خلاص صديقهم من اللعنة، بعد ان سمعوا منه ما دار بينه وبين العرافة وكانوا في طريقهم إلى رحلة صيد حاملين ادواته. تاركين نسوة القرية منهمكات في صنع الطعام و( المريسة ) – والمريسة هو نوع من الخمور البلدية التي تصنع في السودان من الذرة النابت ولعلها تصنع في بعض دول الجوار كذلك – وكان الاجواء احتفالية في تلك القرية التي تحيطها الخضرة.
في الغابة أوغل الاصدقاء في سيرهم مرددين أغانٍ زنجية تتحدث عن القوة والشجاعة وفي هذه الاثناء تبلدت السماء بالسحب فارتبك " أولير " وأراد الرجوع فعلم اصدقاؤه السبب فنصحوه بمرافقتهم لأن طريق العودة للقرية طويل جداً واقنعوه بأن يظل بصحبته فإن هطلت الامطار ونام فسيحملوه في طريق العودة للقرية ( .. عموماً فهو آخر يوم لهذه اللعنة فدعنا نستمتع ونحن نرفعك على اكتافنا للمرة الأخيرة، فلن نحملك بعد اليوم ). ( ص 37 )
اثناء سيره في الغابة اعترضهم نهر سريع الجريان فسألهم " أولير " عن اجادتهم للسباحة فأنقسم الاصدقاء إلى فرقتين، فرقة قادرة على السباحة بامتياز وأخرى لا تجيد السباحة. فإنبرى " أولير " لإنقاذ كل من لا يجيد السباحة حتى يجتاز النهر ولما تمكن الجميع من العبور للضفة الأخرى عاد " أولير " مرة أخرى للنهر فلابد من ان يحضر الاقواس والرماح من ضفته الأخرى ولكن المطر بدأت قطراته تغازل جسد النهر و " أولير " يشق الماء بكل قوته. غير ان المطر اشتد هطوله واشتد الأمر على " أولير " .. ( بدأت اطرافه تسترخي وهو يصارع أقوى أثنين، مياه نهر هائج ولعنة الجدة). ( ص 37 )
وكانت النهاية الحتمية لبطلنا أولير ( .. عندما ابتلعته الأمواج والنهر مثل حيوان ضخم يتقلب في مرقده مبتلعاً كل شئ حتى جذوع الاشجار، و" أولير " في احضان الطبيعة يتحول إلى طفل في السادسة يتنهد في حجر جدته ذات الرائحة النفاذة وهو يراقب قملة تزحف متكاسلة ثم تندس بين طيات تنورتها، وذلك اللعاب الداكن يثقل فروة رأسه، فأس يهوي من السماء شاطراً شجرة إلى نصفين ثم نزيف دخاني وسائل أخضر، جثث تتدرج وقبر متشقق.
( تركوه هناك نائماً نومته الأبدية، غارقاً في لعنة جدته، والنهر يأخذه بعيداً عن انشودة المطر، بعيداً عن القرية المحاطة بالغابة والسماء، بعيداً عن البافرا وورق الموز). ( ص 38)
-أواصل بإذن الله -
القصة عند استيلا قايتانو .. - زهور ذابلة - نموذجاً ( 3 – 5 )
في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات، قمت بسرد سيرة
ذاتية مقتضبة عن كاتبة المقالات والقاصة استيلا قايتانو وتعرضت بالحديث عن
مجموعتها القصصية التي عنونتها بـــ ( زهور ذابلة ) متناولاً حسب الترتيب
التسلسلي: قصة ( كل شئ هنا يغلي "1" : نحو الموت والسجون ) والقصة الثانية
في المجموعة ( كل شئ هنا يغلي "2" : نحو الجنون ). أما بالمقال الثاني في
هذه السلسلة تناولت بالحديث القصة الثالثة في مجموعتها وهي قصة ( وليمة ما
قبل المطر ).
أواصل في هذة الحلقة ملء الأوراق البيضاء التي بحوذتي مستعرضاً بالحديث القصة الرابعة من المجموعة القصصية ( زهور ذابلة ) للكاتبة استيلا قايتانو. وقصتها الرابعة حملت عنوان ( خرائط لعوالم مجهولة ).
خرائط لعوالم مجهولة:
تبتدر استيلا قايتانو قصتها بهذة الجمل ( أحس بقسوة الأرض عندما ايقظته بلكمة لم يحدد هل كانت مؤلمة أم لا؟ ولكنها أيقظته في فزع، بعدها تمدد قليلاً على إيقاع مفاصله المتصلبة ... ) ص 43
من التي لكمت من؟ نجد تعريف الذي تلقى اللكمة في الفقرة التالية، ولكنه تعريف شحيح بعض الشيء – إن جاز لي التعبير – ( عند استيقاظه رأى الخارطة التي رسمها تبوله الليلي، لابد أنها بلاد يحلم بزيارتها يوماً، كم كان يحب دروس الجغرافيا، قبل أن يترك المدرسة، يلقي نظره نحو شقيقته التي كانت ترمقه بنظرة قاسية تجبره على النهوض، يرتفع بجسده عن الأرض في كسل وتعب شديدين، وآلاف الحصى والأتربة تتشبت به وبثيابه التي بالكاد تستره ). ص 43
تترك استيلا الحديث عن الشقيقة التي لكمت شقيقها، فنتركها نحن القراء أيضاً ومن البديهي أن تكون الشقيقة هي الأكبر سناً وإلا لما تلقى الشقيق اللكمة على مضض وربما إذعان دون أن يبدي أي ردة فعل. ونتابع مع استيلا، الصبي في سيره لحنفيات المسجد المجاور حتى يغتسل ويصب الماء على سرواله لإزالة اثار البول، ( .. ثم يعود ادراجه خارج الأسوار حيث اصطفاف المتسولين بصورة مقززة، يفكر: لكل شئ بقايا وأوساخ يجب أن تلقى، فنحن قاذورات البشر يجب أن تلقى على الرصيف، أطفال يفتك الرمد بعيونهم ويترك آثار جريمته في شكل إفرازات صفراء مائله للإخضرار على جانبي العين، كبار السن يتآكلون تحت وطأة الجذام وسائر الأمراض المتخلفة، ثياب تجيد فضح العورات أكثر من سترها ) ص 43، 44
هذا ما كان بشأن الأخ، فماذا عن الأخت؟ ( هي تكبره بعامين في العاشرة من عمرها، رغم أنها كانت تبدو أصغر من ذلك بكثير، نسبة لقلة حجمها، سمع أن عروس البحر نصفها الأعلى إنسان والنصف الأسفل سمكة، أخته كذلك نصفها الأعلى حي أما النصف الأسفل فميت، يقال أنها أصيبت بشلل الأطفال.
كان يحملها على ظهره خلال جولاته حول المدينة بحثاً عن ما يسد الرمق، يتجول بها النهار كله، كانت مهمته أن يخترق بها الزحام في الأسواق والطرقات والبصات، وكانت مهمتها النشل ). ص 44
ذاكرة الصبي تدخل الأب ضمن شخصيات القصة حينما يحدث نفسه ( كان أبي متسولاً وكفيفاً، كنت أخاف من بياض عينيه الفاسدتين كأنه يراني دون سائر الخلق، في العادة لا أنظر إلى وجهه حتى أكاد أنسى ملامحه، أيضاً كان خلفي، كنت اتجول به بين السيارات الفارهة، وأخرى كانت تقل ركاباً، فينطلق لسانه بسيل من الدعوات الصالحات لمن يعطيه ومن لا يعطيه، وكثيراً لا يعطيه أحد ) ص 45
كان الصبي معجباً بالسيارات التي يقترب منها هو ووالده ويتمناها لنفسه، حتى كان اليوم الذي وجد فيه غطاء لعلبة صدئه ازال عنها التراب وامسكها بكفه، يديرها يميناً ويساراً ويصدر اصواتاً بفمه وانفه تحاكي ما تصدره السيارات، ( إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم، عندما كبر حلمي وأصبحت سيارتي كبيرة حمراء أقودها، أتوقف عندما تضيء الإشارة الحمراء لن أرفع زجاج سياراتي في وجه أبي، أحببت سيارتي ونسيت اليد الملتصقة بكتفي أسرعت لأتفادى السيارة التي كانت ستحطم سيارتي وتحولها إلى عجينة وهربت بالسيارة، وكان أبي كبش الفداء ). ص 46
الصبي يعدو بكل قوته مبتعداً عن مكان الحادث ويلقي بسيارته - التي رأى انها السبب في مقتل والده – يلقيها في أقرب بالوعة ويعود إلى مأواه بقرب المسجد فتسأله اخته عن ابيه فخبرها بأن هنالك سيارة قد دهسته فتبكي الاخت بحرقة ويعلو صوتها حتى يتجمع حولهما بقية المتسولين. ( أحسست حينها بفاجعة عظيمة تكرر المنظر، إلتفاف الناس حول أختي مثل إلتفاف هؤلاء حول جثة أبي، تسللت مرة أخرى أعدو في الطرقات دون وعي، حافياً أحاول ستر عريي التهبت قدماي من قساوة الأرض وجدت نفسي في مكان الحدث، تجمد دم أبي، أرى التماع لونه القاني على أضواء السيارات، جفت الدماء والسيارات تمشي عليها تقشرت الدماء من الأسفلت وتطايرت مثل قشور الفول المدمس، رأيت ملايين القشور تقتلع من الأسفلت وتتجه نحوي، تطاردني، تخنقني، تمنع عني الهواء، تتراكم فوقي تدفعنني ثم أغيب عن الوعي ). ص 48
التقى الصبي ببعض المتشردين وقضى معهم بقية يومه وهم يروون ما شاهدوا من أفلام هندية مقلدين حركات الأبطال ومرددين الأغاني وفي الليل ذهب معهم للسينما لمتابعة نهاية الفيلم ( تحركت سيارة داخله، لتصدر أصواتاً مكتومة في أحشائه، تذكر شقيقته، تسلل من داخل السنيما واخذ يبحت عنها شارعا شارعا، كان وحيداً في مدينة خلت من الناس والروائح، وحيداً في شوارع بإمتداد الأيام المحزنة، وحيداً في عالم واسع سعة الثقوب في القلوب
( عاد إلى المأوى بعد رحلة بحث غير موفقة، كان خائفاً إذا سأله أحد: أين أختك؟ وجدها مستقلية وتتنفس بإنتظام، عندما أحس بشئ من الرضا، أخذ خرقة ثم رتقها بأقمشة من الألوان، ألقاها على جسدها النحيل، واستقلى قربها متنفساً الصعداء
في الصباح الباكر أيقظته لكمة مميزة، نظر إليها، كانت تعابير وجهها تقول أن شيئاً لم يحدث البارحة، عاد بنظراته المكسورة ينثرها على ما رسمه تبوله الليلي من خرائط لعوالم مجهولة). ص 48، 49
رحيل:
هي اقل قصص المجموعة القصصية من حيث الكلمات ولكنها في رأي أكثر قصص المجموعة قتامة وحزناً فعندما قرر الراوي ( أن ينبذ اليأس الذي عشعش في داخله عناكب في غرفة مهجورة، وأن يدفن حزنه حياً بين طيات جروحه، رمى بكل آلامه في غياهب الذاكرة). ص 55
خرج الراوي للشارع محاولاً أن يخرج من يم ذكرياته التعيسة، معلقاً في شفتيه ابتسامة تعبر عن فرح انتصاره على ذكرياته ( ناسياً وفاة زوجته الشابة، وغرق إبنه الذي لم يتعدى العام في بالوعة المنزل نتيجه إهماله، فُصل من العمل لإصابته بحالة نفسية عصبية ). ص 55
حينما جلس في المقعد مواجهاً الركاب كان يتأملهم باحثاً في وجههم عن الأمل وكان سعيداً لأنه يختلف عنهم في احساسه بالفرح، إلى ان جاءت تلك المرأة التي تصفها استيلا قايتانو بأنه ( إمرأة أبنوسية اللون زنجية التقاطيع، وإستوائيه الملامح، ذات شلوخ في شكل نجمة كثيرة التفرعات تزيّن خدودها الذابلة تحمل رضيعاً لا يقل عنها نحولاً وهزالاً ). ص 55
ولأن الراوي كان يريد ان يوزع سعادته على الجميع فقد نهض من مقعده وأسنده المرأة حتى تمكنت من الجلوس مكانه. نظر إليها بعد قليل احس بحزنها فقرر أن يواسيها وخمن ان طفلها مريض وهي في طريقها للمستشفى لكنها لا تملك النقود الكافية لعلاجه ( في تلك اللحظة تحسس جيبه ليطمئن على نقوده، قال بينه وبين نفسه: سوف أكون معها حتى تعالج الطفل، وسوف يتغذى جيداً، وسوف تعود صحته وعافيته.. ). ص 56
توقفت العربة لإنزال احد الركاب، وجاء بائع متجول يعرض انواع من الحلوى منادياً بها، فأخرج الرواي ورقة مالية واشترى مجموعة من الحلوى مختلفة الألوان. وعندما تحركت العربة من جديد ( ومروحة سعادته تزداد إضطراباً، قدم لها الحلوى وهو يخاطبها ذات ركاكة مفعة بالرجاء: خذي هذا من أجل الطفل كان مبتسماً إبتسامة مضطربة خوفاً من الرفض. قالت بلغة أكثر ركاكة: جنادي موتو كلاص .. ( لقد توفي هذا الطفل )، رشحت طفلها بنظرات تحمل كل الأسى، ثم دموع ساخنة تنهمر نحو الجثة الصغيرة كأنها تريد اغتساله ..) ص 56
غامت الدنيا في عيني الراوي ورأى الدنيا بمنظارٍ غاية في السواد فترك العربة ونزل وساقته قدماه إلى شاطئ النيل، ولنصغي لاستيلا وهي تصور لنا ما يعتلج في دواخل الراوي ( .. وقف يحدق في الماء أمواج تولد فجأة وتموت منتحره تحت قدميه، صور لطيور رسمت على صفحة النيل فاردة اجنحتها مرفرفة معلنة بالرحيل، أسماك تضرب أحشاء النيل بزعانفها سابحة نحو الرحيل، شمس منحنية في الأفق تجمع أشعتها عن وجه الدنيا إرهاصاً بإنتهاء يوم لتحبل بيوم جديد. إجتاحه حزن ذا جذور ضربت في أعماقه لهذا اليوم الراحل، شعر أن أصابعه قد إلتحقت ببعضها البعض، فتح كفه فإذا بالحلوى ما زالت هناك، كان مطبقاً عليها بقوة عجيبة، حتى عرقت كفه وذابت ألوانها واختلطت أصفر في أحمر، أخضر في أزرق، أحمر في أخضر، أقامت الحلوى مأتماً بدموعها الملونة على كفه، قال من خلال ابتسامة ساخرة يائسه تحتضر في جانب ثغره: هذه أيضاً حلوى لطفل رحل ). ص 57
- أواصل بإذن الله -
أواصل في هذة الحلقة ملء الأوراق البيضاء التي بحوذتي مستعرضاً بالحديث القصة الرابعة من المجموعة القصصية ( زهور ذابلة ) للكاتبة استيلا قايتانو. وقصتها الرابعة حملت عنوان ( خرائط لعوالم مجهولة ).
خرائط لعوالم مجهولة:
تبتدر استيلا قايتانو قصتها بهذة الجمل ( أحس بقسوة الأرض عندما ايقظته بلكمة لم يحدد هل كانت مؤلمة أم لا؟ ولكنها أيقظته في فزع، بعدها تمدد قليلاً على إيقاع مفاصله المتصلبة ... ) ص 43
من التي لكمت من؟ نجد تعريف الذي تلقى اللكمة في الفقرة التالية، ولكنه تعريف شحيح بعض الشيء – إن جاز لي التعبير – ( عند استيقاظه رأى الخارطة التي رسمها تبوله الليلي، لابد أنها بلاد يحلم بزيارتها يوماً، كم كان يحب دروس الجغرافيا، قبل أن يترك المدرسة، يلقي نظره نحو شقيقته التي كانت ترمقه بنظرة قاسية تجبره على النهوض، يرتفع بجسده عن الأرض في كسل وتعب شديدين، وآلاف الحصى والأتربة تتشبت به وبثيابه التي بالكاد تستره ). ص 43
تترك استيلا الحديث عن الشقيقة التي لكمت شقيقها، فنتركها نحن القراء أيضاً ومن البديهي أن تكون الشقيقة هي الأكبر سناً وإلا لما تلقى الشقيق اللكمة على مضض وربما إذعان دون أن يبدي أي ردة فعل. ونتابع مع استيلا، الصبي في سيره لحنفيات المسجد المجاور حتى يغتسل ويصب الماء على سرواله لإزالة اثار البول، ( .. ثم يعود ادراجه خارج الأسوار حيث اصطفاف المتسولين بصورة مقززة، يفكر: لكل شئ بقايا وأوساخ يجب أن تلقى، فنحن قاذورات البشر يجب أن تلقى على الرصيف، أطفال يفتك الرمد بعيونهم ويترك آثار جريمته في شكل إفرازات صفراء مائله للإخضرار على جانبي العين، كبار السن يتآكلون تحت وطأة الجذام وسائر الأمراض المتخلفة، ثياب تجيد فضح العورات أكثر من سترها ) ص 43، 44
هذا ما كان بشأن الأخ، فماذا عن الأخت؟ ( هي تكبره بعامين في العاشرة من عمرها، رغم أنها كانت تبدو أصغر من ذلك بكثير، نسبة لقلة حجمها، سمع أن عروس البحر نصفها الأعلى إنسان والنصف الأسفل سمكة، أخته كذلك نصفها الأعلى حي أما النصف الأسفل فميت، يقال أنها أصيبت بشلل الأطفال.
كان يحملها على ظهره خلال جولاته حول المدينة بحثاً عن ما يسد الرمق، يتجول بها النهار كله، كانت مهمته أن يخترق بها الزحام في الأسواق والطرقات والبصات، وكانت مهمتها النشل ). ص 44
ذاكرة الصبي تدخل الأب ضمن شخصيات القصة حينما يحدث نفسه ( كان أبي متسولاً وكفيفاً، كنت أخاف من بياض عينيه الفاسدتين كأنه يراني دون سائر الخلق، في العادة لا أنظر إلى وجهه حتى أكاد أنسى ملامحه، أيضاً كان خلفي، كنت اتجول به بين السيارات الفارهة، وأخرى كانت تقل ركاباً، فينطلق لسانه بسيل من الدعوات الصالحات لمن يعطيه ومن لا يعطيه، وكثيراً لا يعطيه أحد ) ص 45
كان الصبي معجباً بالسيارات التي يقترب منها هو ووالده ويتمناها لنفسه، حتى كان اليوم الذي وجد فيه غطاء لعلبة صدئه ازال عنها التراب وامسكها بكفه، يديرها يميناً ويساراً ويصدر اصواتاً بفمه وانفه تحاكي ما تصدره السيارات، ( إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم، عندما كبر حلمي وأصبحت سيارتي كبيرة حمراء أقودها، أتوقف عندما تضيء الإشارة الحمراء لن أرفع زجاج سياراتي في وجه أبي، أحببت سيارتي ونسيت اليد الملتصقة بكتفي أسرعت لأتفادى السيارة التي كانت ستحطم سيارتي وتحولها إلى عجينة وهربت بالسيارة، وكان أبي كبش الفداء ). ص 46
الصبي يعدو بكل قوته مبتعداً عن مكان الحادث ويلقي بسيارته - التي رأى انها السبب في مقتل والده – يلقيها في أقرب بالوعة ويعود إلى مأواه بقرب المسجد فتسأله اخته عن ابيه فخبرها بأن هنالك سيارة قد دهسته فتبكي الاخت بحرقة ويعلو صوتها حتى يتجمع حولهما بقية المتسولين. ( أحسست حينها بفاجعة عظيمة تكرر المنظر، إلتفاف الناس حول أختي مثل إلتفاف هؤلاء حول جثة أبي، تسللت مرة أخرى أعدو في الطرقات دون وعي، حافياً أحاول ستر عريي التهبت قدماي من قساوة الأرض وجدت نفسي في مكان الحدث، تجمد دم أبي، أرى التماع لونه القاني على أضواء السيارات، جفت الدماء والسيارات تمشي عليها تقشرت الدماء من الأسفلت وتطايرت مثل قشور الفول المدمس، رأيت ملايين القشور تقتلع من الأسفلت وتتجه نحوي، تطاردني، تخنقني، تمنع عني الهواء، تتراكم فوقي تدفعنني ثم أغيب عن الوعي ). ص 48
التقى الصبي ببعض المتشردين وقضى معهم بقية يومه وهم يروون ما شاهدوا من أفلام هندية مقلدين حركات الأبطال ومرددين الأغاني وفي الليل ذهب معهم للسينما لمتابعة نهاية الفيلم ( تحركت سيارة داخله، لتصدر أصواتاً مكتومة في أحشائه، تذكر شقيقته، تسلل من داخل السنيما واخذ يبحت عنها شارعا شارعا، كان وحيداً في مدينة خلت من الناس والروائح، وحيداً في شوارع بإمتداد الأيام المحزنة، وحيداً في عالم واسع سعة الثقوب في القلوب
( عاد إلى المأوى بعد رحلة بحث غير موفقة، كان خائفاً إذا سأله أحد: أين أختك؟ وجدها مستقلية وتتنفس بإنتظام، عندما أحس بشئ من الرضا، أخذ خرقة ثم رتقها بأقمشة من الألوان، ألقاها على جسدها النحيل، واستقلى قربها متنفساً الصعداء
في الصباح الباكر أيقظته لكمة مميزة، نظر إليها، كانت تعابير وجهها تقول أن شيئاً لم يحدث البارحة، عاد بنظراته المكسورة ينثرها على ما رسمه تبوله الليلي من خرائط لعوالم مجهولة). ص 48، 49
رحيل:
هي اقل قصص المجموعة القصصية من حيث الكلمات ولكنها في رأي أكثر قصص المجموعة قتامة وحزناً فعندما قرر الراوي ( أن ينبذ اليأس الذي عشعش في داخله عناكب في غرفة مهجورة، وأن يدفن حزنه حياً بين طيات جروحه، رمى بكل آلامه في غياهب الذاكرة). ص 55
خرج الراوي للشارع محاولاً أن يخرج من يم ذكرياته التعيسة، معلقاً في شفتيه ابتسامة تعبر عن فرح انتصاره على ذكرياته ( ناسياً وفاة زوجته الشابة، وغرق إبنه الذي لم يتعدى العام في بالوعة المنزل نتيجه إهماله، فُصل من العمل لإصابته بحالة نفسية عصبية ). ص 55
حينما جلس في المقعد مواجهاً الركاب كان يتأملهم باحثاً في وجههم عن الأمل وكان سعيداً لأنه يختلف عنهم في احساسه بالفرح، إلى ان جاءت تلك المرأة التي تصفها استيلا قايتانو بأنه ( إمرأة أبنوسية اللون زنجية التقاطيع، وإستوائيه الملامح، ذات شلوخ في شكل نجمة كثيرة التفرعات تزيّن خدودها الذابلة تحمل رضيعاً لا يقل عنها نحولاً وهزالاً ). ص 55
ولأن الراوي كان يريد ان يوزع سعادته على الجميع فقد نهض من مقعده وأسنده المرأة حتى تمكنت من الجلوس مكانه. نظر إليها بعد قليل احس بحزنها فقرر أن يواسيها وخمن ان طفلها مريض وهي في طريقها للمستشفى لكنها لا تملك النقود الكافية لعلاجه ( في تلك اللحظة تحسس جيبه ليطمئن على نقوده، قال بينه وبين نفسه: سوف أكون معها حتى تعالج الطفل، وسوف يتغذى جيداً، وسوف تعود صحته وعافيته.. ). ص 56
توقفت العربة لإنزال احد الركاب، وجاء بائع متجول يعرض انواع من الحلوى منادياً بها، فأخرج الرواي ورقة مالية واشترى مجموعة من الحلوى مختلفة الألوان. وعندما تحركت العربة من جديد ( ومروحة سعادته تزداد إضطراباً، قدم لها الحلوى وهو يخاطبها ذات ركاكة مفعة بالرجاء: خذي هذا من أجل الطفل كان مبتسماً إبتسامة مضطربة خوفاً من الرفض. قالت بلغة أكثر ركاكة: جنادي موتو كلاص .. ( لقد توفي هذا الطفل )، رشحت طفلها بنظرات تحمل كل الأسى، ثم دموع ساخنة تنهمر نحو الجثة الصغيرة كأنها تريد اغتساله ..) ص 56
غامت الدنيا في عيني الراوي ورأى الدنيا بمنظارٍ غاية في السواد فترك العربة ونزل وساقته قدماه إلى شاطئ النيل، ولنصغي لاستيلا وهي تصور لنا ما يعتلج في دواخل الراوي ( .. وقف يحدق في الماء أمواج تولد فجأة وتموت منتحره تحت قدميه، صور لطيور رسمت على صفحة النيل فاردة اجنحتها مرفرفة معلنة بالرحيل، أسماك تضرب أحشاء النيل بزعانفها سابحة نحو الرحيل، شمس منحنية في الأفق تجمع أشعتها عن وجه الدنيا إرهاصاً بإنتهاء يوم لتحبل بيوم جديد. إجتاحه حزن ذا جذور ضربت في أعماقه لهذا اليوم الراحل، شعر أن أصابعه قد إلتحقت ببعضها البعض، فتح كفه فإذا بالحلوى ما زالت هناك، كان مطبقاً عليها بقوة عجيبة، حتى عرقت كفه وذابت ألوانها واختلطت أصفر في أحمر، أخضر في أزرق، أحمر في أخضر، أقامت الحلوى مأتماً بدموعها الملونة على كفه، قال من خلال ابتسامة ساخرة يائسه تحتضر في جانب ثغره: هذه أيضاً حلوى لطفل رحل ). ص 57
- أواصل بإذن الله -
القصة عند استيلا قايتانو .. - زهور ذابلة - نموذجاً ( 4 – 5 )
في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات، قمت بسرد سيرة
ذاتية مقتضبة عن كاتبة المقالات والقاصة استيلا قايتانو وتعرضت بالحديث عن
مجموعتها القصصية التي عنونتها بـــ ( زهور ذابلة ) متناولاً حسب الترتيب
التسلسلي: قصة ( كل شئ هنا يغلي "1" : نحو الموت والسجون ). أما بالمقال
الثاني من هذه السلسلة تناولت بالحديث القصة الثانية في المجموعة ( كل شئ
هنا يغلي "2" : نحو الجنون )، والقصة الثالثة في مجموعتها وهي قصة ( وليمة
ما قبل المطر ). وفي الحلقة الثالثة تواصل الحديث، بدايةً بقصة ( خرائط
لعوالم مجهولة) وانتهيت بقصة ( رحيل )
أواصل في هذة المقالة الرابعة الحديث عن المجموعة القصصية ( زهور ذابلة ) للكاتبة استيلا قايتانو. وقصتها السادسة والتي عنونتها بــ ( في ليلة قمرية ).
في ليلة قمرية:
( عهدها وارفة الظلال، متينة الجذع، كثيفة الأغصان، فارعة الطول، وهي تقف في منتصف بلدتنا تتوسط القطاطي في حنية صادقة ). ص 63
هكذا تبدأ استيلا قايتانو اقصوصتها، لتحدثنا عن تلك الشجرة عن التي هي مصدق أغلب سكان البلدة ( كانت مجلس للسلاطين وكبار رجال البلدة، وكانت منتدى للشباب والصبيان، يرقصون قربها في الليالي القمرية علىى أنغام الطبول الشجية ). ص 63
وفي ذات الصفحة تواصل استيلا اضافة مزيداً من الأهمية لتلك الشجرة ( كانت مقر التائه، واستراحة المتعب، ومنزل المسافر، اصبحت معلماً بارزاً في قريتنا، ). حتى جاءت تلك الليلة القمرية التي يحتفل بها اهل القرية تحت تلك الشجرة الضخمة وتعد العدة من الرقصات والأغاني الزنجية ( .. الفتيات تجمعن باجسادهن السوداء، تزينها سلاسل مرتبة في الطول والقصر حول أعناقهن وأساور عريضة من العاج تحيط بالمعاصم وخلاخل في الأرجل تصدر أصواتاً رتيبة وتنورة تغطي الجزء الأسفل من الجسد، بدأ الرقص ..). ص 63
لكن الرقص الصاخب لم يستمر كثيراً فقد حدث فجأة شجاراً قوياً بين مجموعة من الشباب، وسط صراخ الفتيات، ( امرهن أحدهم راطناً: " أذهبن إلى بيوتكن " ، هرولن في رعب، كان الصراع بين ثلاثة شباب من القرية المجاورة فتصدى لهم ثلاثة شباب من قريتنا لأن ليس من الشرف والرجولة أن تصارعهم جميعاً .. انتهى الصراع كما ينتهي أي صراع كل يوم، لا يحمل أحد منهم حقداً أو كراهية). ص 63
ولكن الليل جاء بأخبار ليست بالجيدة ( سطع ضوء قوي وسط القرية وأخذت ظلال القطاطي تتراقص في جنون، خرجت القرية في لحظة، وأخذت تنظر في حزن، أشتعلت الشجرة في حريق هائل، شلت حركتهم، كأن اجسادهم هي التي تحترق، وأخذت تلتهم الأوراق في شراهة..). ص 64
واصبحت الشجرة – على حد تعبير استيلا – شبح يريد التهام القرية. حتى جاء ذلك اليوم الذي يحدثنا فيه الراوي انه كان يجلس مع اصدقائه تحت اطلال الشجرة – إن جاز التعبير – يتذكرون الأيام الحلوة التي قضوها تحتها او بقربها و .. ( رفعت رأسي انظر إليها، كأني أريد إعادة الحياة لها، فتخيلت، بل لمحت هناك فرعاً صغيراً أخضراً بين الفروع المتفحة لا يكاد يرى، نهضت من مكاني كأنني أريد الطيران، كأن شيئاً لسعني، فتسلقتها دون أن أرد على اسئلة اصدقائي المقلقة، حتى وصلته، نعم إنها مخضرة، انها حية، الشجرة لم تمت، صرخت بهذه الكلمات دون وعي، والدموع تسيل على خدي، احتضنت الفرع كأني احتضن جزءاً مني واحتضن اصدقائي الجذع كأنهم يحتضنون أمان عادت بعد غياب). ص 64
زهور ذابلة:
هي القصة رقم سبعة بين قصص المجموعة وهي التي اختارتها الكاتبة استيلا قايتانو لتكون عنوان مجموعتها القصصية محور حديثنا. وفي هذه القصة نتعرف على شخص يرتاد المقهى بانتظام، دائماً يأتي بخطوات كئيبة، قلما يبتسم – بتعبير أدق لايبتسم البتة – ( يتجه إلى المقهى في نفس الزمن من كل يوم ويلقي اشلاء جسمه النحيل في نفس المقعد وفي نفس الركن الخالي الكئيب مثل صاحبه ،يجلس هناك مرتكناً يطلب فنجان قهوة، لا يتحدث مع أحد سوى صديقه الذي يأتي ويجلس معه قليلاً ثم ينهض وقد ارتسم على وجهه شئ من الشفقة والحنق). ص 69
وعلى النقيض تماماً كانت هي ( تتحرك مثل فراشة تبحث عن زهرة ) – على حد تعبير استيلا – ولكنها دائماً عندما ( تقترب منه تبطئ في حركتها كأنها تقترب من شئ مقدس ) تلك التي ( تحمل على رأسها " صينية " رصت أكياس الفول فيها بإنتظام، عندما تقترب منه كانت تبطئ من حركتها كأنها تقترب من شيء مقدس، تضع " الصينية " على المنضدة يأخذ منها كيساً ويعطيها بعض العملات ). ص 69
ولكنه في احد الأيام لم يأتي وظل مكانه شاغراً ( كانت تبحث عنه وهي تتحرك مثل فراشة تبحث عن زهرة، استمرت تبحث عنه ثلاثة أيام ). ص 69 .. وتصادف انه رأت صديقه ذات مرة فتبعته دون ان يدري حتى عرفت مكان داره. وفي اليوم التالي زارته، طارقةً بابه عده طرقات ( واقتحمت عالمه المغلق، وبنفس شعور إقترابها من شئ مقدس، سمعت نحنحة، ثم قال بصوت عميق أعمق من حزنه: من هناك؟ قالت بصوتها الطفولي: أنا بائعة الفول، ثم دخلت، رأت الدهشة على وجهه، قالت مرتبك: أسفة على الإزعاج، ولكني أردت زيارتك لا تسألني عن السبب لأني حقيقة لا أدري. قال وقد ظهر الرضا على وجهه: شكراً لك يا إبنتي، تشجعت وقدمت له الزهور، أوما شاكراً ). ص 70
مسحت بائعة الفول الغرفة بعينيها فرأتها كئيبة الشكل غير مرتبة، فتخبرنا استيلا أن بطلة حكايتها قد ( عادت لها غريزتها الفراشية، تحركت تحلق في الغرفة، نظفتها، ورتبتها، فتحت النوافذ متجاهلة لاعتراضاته، ولأول مرة يدخل الهواء ويخرج بحرية، رأت الاستياء على وجهه، سألته: منذ متى لم تفتح هذه النوافذ؟ لم يعطها رداً لأنه لا يعلم منذ متى.) ص70
نعلم - نحن القراء – ان صاحب البيت يعاني من مرض وراثي قاتل وانه مشرف على أيامه الأخيرة في الدنيا اثر حديثه من بائعة الفول والتي أسدت له نصيحة ( بدلاً أن تحصي أيامك في الدنيا من الأجدى أن تفكر كيف تقضي هذه الأيام، لم لا تقضيها في إسعاد نفسك والأخرين، ثم أشارت إلى الزهور اليانعة قائلة: انظر إلى هذه الزهور، كيف هي يانعة تمنحك أجمل ما عندها لتسعد، رغماً إنها ستبذل للأبد بعد ساعات قلائل، لم لا تكون مثلها تترك شذاك لإسعاد الآخرين). ص 70
ويبدو أن هذه الزيارة قد تركت اثرها العميق في نفس صاحب البيت فقد جاء بعد أيام للمقهى. رغم انه لم يعلق على حديث بائعة الفول التي القت بنصيحتها وخرجت وهي لا تعلم إن زيارتها قد أسعدته ام اغضبته. ولكنه على كل حال جاء في اليوم الثاني بخطوات واسعة للمقهى وبابتسامه عريضة حلت وجهه وكأنما عاد الشباب إليه دفعة واحدة مما اثار دهشة رواد المقهى الذي اعتادوا حزنه. كان يبحث عنها بعينيه التي اصبحتا تشعان بالحياه ولكنها ( استقلت سيارة ورحلت، لمحها في الدقائق الأخيرة، لوح لها شاكراً، رحلت ولم تظهر منذ ذاك اليوم... ). ص 70
- أواصل بإذن الله -
أواصل في هذة المقالة الرابعة الحديث عن المجموعة القصصية ( زهور ذابلة ) للكاتبة استيلا قايتانو. وقصتها السادسة والتي عنونتها بــ ( في ليلة قمرية ).
في ليلة قمرية:
( عهدها وارفة الظلال، متينة الجذع، كثيفة الأغصان، فارعة الطول، وهي تقف في منتصف بلدتنا تتوسط القطاطي في حنية صادقة ). ص 63
هكذا تبدأ استيلا قايتانو اقصوصتها، لتحدثنا عن تلك الشجرة عن التي هي مصدق أغلب سكان البلدة ( كانت مجلس للسلاطين وكبار رجال البلدة، وكانت منتدى للشباب والصبيان، يرقصون قربها في الليالي القمرية علىى أنغام الطبول الشجية ). ص 63
وفي ذات الصفحة تواصل استيلا اضافة مزيداً من الأهمية لتلك الشجرة ( كانت مقر التائه، واستراحة المتعب، ومنزل المسافر، اصبحت معلماً بارزاً في قريتنا، ). حتى جاءت تلك الليلة القمرية التي يحتفل بها اهل القرية تحت تلك الشجرة الضخمة وتعد العدة من الرقصات والأغاني الزنجية ( .. الفتيات تجمعن باجسادهن السوداء، تزينها سلاسل مرتبة في الطول والقصر حول أعناقهن وأساور عريضة من العاج تحيط بالمعاصم وخلاخل في الأرجل تصدر أصواتاً رتيبة وتنورة تغطي الجزء الأسفل من الجسد، بدأ الرقص ..). ص 63
لكن الرقص الصاخب لم يستمر كثيراً فقد حدث فجأة شجاراً قوياً بين مجموعة من الشباب، وسط صراخ الفتيات، ( امرهن أحدهم راطناً: " أذهبن إلى بيوتكن " ، هرولن في رعب، كان الصراع بين ثلاثة شباب من القرية المجاورة فتصدى لهم ثلاثة شباب من قريتنا لأن ليس من الشرف والرجولة أن تصارعهم جميعاً .. انتهى الصراع كما ينتهي أي صراع كل يوم، لا يحمل أحد منهم حقداً أو كراهية). ص 63
ولكن الليل جاء بأخبار ليست بالجيدة ( سطع ضوء قوي وسط القرية وأخذت ظلال القطاطي تتراقص في جنون، خرجت القرية في لحظة، وأخذت تنظر في حزن، أشتعلت الشجرة في حريق هائل، شلت حركتهم، كأن اجسادهم هي التي تحترق، وأخذت تلتهم الأوراق في شراهة..). ص 64
واصبحت الشجرة – على حد تعبير استيلا – شبح يريد التهام القرية. حتى جاء ذلك اليوم الذي يحدثنا فيه الراوي انه كان يجلس مع اصدقائه تحت اطلال الشجرة – إن جاز التعبير – يتذكرون الأيام الحلوة التي قضوها تحتها او بقربها و .. ( رفعت رأسي انظر إليها، كأني أريد إعادة الحياة لها، فتخيلت، بل لمحت هناك فرعاً صغيراً أخضراً بين الفروع المتفحة لا يكاد يرى، نهضت من مكاني كأنني أريد الطيران، كأن شيئاً لسعني، فتسلقتها دون أن أرد على اسئلة اصدقائي المقلقة، حتى وصلته، نعم إنها مخضرة، انها حية، الشجرة لم تمت، صرخت بهذه الكلمات دون وعي، والدموع تسيل على خدي، احتضنت الفرع كأني احتضن جزءاً مني واحتضن اصدقائي الجذع كأنهم يحتضنون أمان عادت بعد غياب). ص 64
زهور ذابلة:
هي القصة رقم سبعة بين قصص المجموعة وهي التي اختارتها الكاتبة استيلا قايتانو لتكون عنوان مجموعتها القصصية محور حديثنا. وفي هذه القصة نتعرف على شخص يرتاد المقهى بانتظام، دائماً يأتي بخطوات كئيبة، قلما يبتسم – بتعبير أدق لايبتسم البتة – ( يتجه إلى المقهى في نفس الزمن من كل يوم ويلقي اشلاء جسمه النحيل في نفس المقعد وفي نفس الركن الخالي الكئيب مثل صاحبه ،يجلس هناك مرتكناً يطلب فنجان قهوة، لا يتحدث مع أحد سوى صديقه الذي يأتي ويجلس معه قليلاً ثم ينهض وقد ارتسم على وجهه شئ من الشفقة والحنق). ص 69
وعلى النقيض تماماً كانت هي ( تتحرك مثل فراشة تبحث عن زهرة ) – على حد تعبير استيلا – ولكنها دائماً عندما ( تقترب منه تبطئ في حركتها كأنها تقترب من شئ مقدس ) تلك التي ( تحمل على رأسها " صينية " رصت أكياس الفول فيها بإنتظام، عندما تقترب منه كانت تبطئ من حركتها كأنها تقترب من شيء مقدس، تضع " الصينية " على المنضدة يأخذ منها كيساً ويعطيها بعض العملات ). ص 69
ولكنه في احد الأيام لم يأتي وظل مكانه شاغراً ( كانت تبحث عنه وهي تتحرك مثل فراشة تبحث عن زهرة، استمرت تبحث عنه ثلاثة أيام ). ص 69 .. وتصادف انه رأت صديقه ذات مرة فتبعته دون ان يدري حتى عرفت مكان داره. وفي اليوم التالي زارته، طارقةً بابه عده طرقات ( واقتحمت عالمه المغلق، وبنفس شعور إقترابها من شئ مقدس، سمعت نحنحة، ثم قال بصوت عميق أعمق من حزنه: من هناك؟ قالت بصوتها الطفولي: أنا بائعة الفول، ثم دخلت، رأت الدهشة على وجهه، قالت مرتبك: أسفة على الإزعاج، ولكني أردت زيارتك لا تسألني عن السبب لأني حقيقة لا أدري. قال وقد ظهر الرضا على وجهه: شكراً لك يا إبنتي، تشجعت وقدمت له الزهور، أوما شاكراً ). ص 70
مسحت بائعة الفول الغرفة بعينيها فرأتها كئيبة الشكل غير مرتبة، فتخبرنا استيلا أن بطلة حكايتها قد ( عادت لها غريزتها الفراشية، تحركت تحلق في الغرفة، نظفتها، ورتبتها، فتحت النوافذ متجاهلة لاعتراضاته، ولأول مرة يدخل الهواء ويخرج بحرية، رأت الاستياء على وجهه، سألته: منذ متى لم تفتح هذه النوافذ؟ لم يعطها رداً لأنه لا يعلم منذ متى.) ص70
نعلم - نحن القراء – ان صاحب البيت يعاني من مرض وراثي قاتل وانه مشرف على أيامه الأخيرة في الدنيا اثر حديثه من بائعة الفول والتي أسدت له نصيحة ( بدلاً أن تحصي أيامك في الدنيا من الأجدى أن تفكر كيف تقضي هذه الأيام، لم لا تقضيها في إسعاد نفسك والأخرين، ثم أشارت إلى الزهور اليانعة قائلة: انظر إلى هذه الزهور، كيف هي يانعة تمنحك أجمل ما عندها لتسعد، رغماً إنها ستبذل للأبد بعد ساعات قلائل، لم لا تكون مثلها تترك شذاك لإسعاد الآخرين). ص 70
ويبدو أن هذه الزيارة قد تركت اثرها العميق في نفس صاحب البيت فقد جاء بعد أيام للمقهى. رغم انه لم يعلق على حديث بائعة الفول التي القت بنصيحتها وخرجت وهي لا تعلم إن زيارتها قد أسعدته ام اغضبته. ولكنه على كل حال جاء في اليوم الثاني بخطوات واسعة للمقهى وبابتسامه عريضة حلت وجهه وكأنما عاد الشباب إليه دفعة واحدة مما اثار دهشة رواد المقهى الذي اعتادوا حزنه. كان يبحث عنها بعينيه التي اصبحتا تشعان بالحياه ولكنها ( استقلت سيارة ورحلت، لمحها في الدقائق الأخيرة، لوح لها شاكراً، رحلت ولم تظهر منذ ذاك اليوم... ). ص 70
- أواصل بإذن الله -
القصة عند استيلا قايتانو .. - زهور ذابلة - نموذجاً ( 1 – 5 )
مزمل الباقر
الحوار المتمدن-العدد: 4407 - 2014 / 3 / 28 - 11:26
المحور: المجتمع المدني
" ولكنك ترى ..
كل ما يحدث في شارع حيك العشوائي أو بتسمية أكثر لباقة "معسكر النازحين"
ترى الأطفال عراة وحفاة وهم يتمرغون في القذارة
يقضون وقفتهم في اللعب ومطاردة الكلاب في فوضى
الأمهات والآباء يتجهون حثيثاً نحو الموت
والسجون والجنون ..
ترصد هذه الحلقات كل يوم من موقعك هذا
حلقات كثيرة من الناس
أكثر من بقية الحلقات
رقص لأن أحدهم تزوج
رقص لأن أحدهم تمت ترقيته
ورقص لأن إحداهما انجبت طفلاً
ورقص لأن أحدهم مات ".
من هي استيلا؟:
ولدت استيلا قايتانو بمدينة الخرطوم بحري، المدينة الثالثة في السودان وهي العاصمة الصناعية والتي تشكل مع امدرمان ( العاصمة الوطنية) والخرطوم ( العاصمة الإدارية) تشكل هذه المدن الثلاث ما يسمى بالعاصمة القومية (الخرطوم) وهي العاصمة الثانية لجمهورية السودان منذ الاستعمار الثنائي وحتى الآن، بعد ان كانت مدينة واد مدني العاصمة الأولى للسودان إبان الحكم التركي.
تخرجت استيلا من جامعة الخرطوم كلية الصيدلة وفي عمر مبكر ظهرت مواهبها الكتابية – إن جاز التعبير – فأسهمت في مجال القصة كما اسهمت فيما بعد في مجال تخصصها العلمي، متزوجة من السيد/ عادل عطية ولها طفلين: عمر وعاصم.
تركت استيلا مع زوجها الخرطوم مجبرة لينتقلا للعيش بمدينة (جوبا) عاصمة جمهورية جنوب السودان بعد أن جرى الانفصال السياسي بتاريخ 9 يوليو 2011م وعلى اثره انقسم السودان لدولتين ولكن ظل قلبها معلق بالسودان الأم فتأتيه بين الفينة والأخرى حاملةً جوازاً اجنبياً وقلباً لا زال يحلم بالوحدة من جديد وبخارطه وطن يعود تاريخه لليوم التاسع عشر من شهر ديسمبر للعام 1955م حيث تم إعلان استقلاله من تحت قبة البرلمان بشارع الجمهورية بمدينة الخرطوم.
زهور ذابلة:
صدرت المجموعة القصصية (زهور ذابلة) عن دار عزة للنشر والتوزيع بشارع الجامعة بمدينة الخرطوم وذلك في العام 2004م. وتحوي ثمانية قصص قصيرة أولها ( نحو الموت والسجون) والتي كتبتها في العام 2002م وأخذت بعض فقراتها لتكون على الغلاف الخلفي للكتاب. وآخرها ( بحيرة بحجم ثمرة الباباي ) التي نشرت قبل عقدٍ ونيف بجريدة ( الرأي الآخر ) قبل ان توقفها.
لوحة الغلاف الأمامي بريشة الفنان عصام عبد الحفيظ ، بينما انفردت ريشة الفنان حسان علي أحمد بالرسومات الداخلية للكتاب.
نحو الموت والسجون:
هو العنوان الثاني للقصة الأولى بالمجموعة القصصية ويحمل عنوان ( كل شئ هنا يغلي ) تبدأ القصة بأربعة أسطر ربما تلخص عالم هذه القصة وبيئتها:
( المكان: حي شعبي أو بالأدق عشوائي
الموقع: بعيد عن العاصمة بعد الصالحين عن الجحيم
الزمن: زمن النزوح .. زمن الحرب .. الحرب الذي ضدك أو ضدك
السكان: غُبش
الرائحة: البراز و الخمر ).
يطلق أهل السودان مصطلح ( غُبش ) بضم حرفي الغين والباء على الكادحين من البشر، والفقرة الثانية في ذات الصفحة التاسعة تضيف تعريفاً آخر بالمكان ( الشوارع مثل ثعابين قصيرة تنتهي بطرق مسدودة دائماً، أهلها أدرى بشعابها، إذا كنت تتجول في هذه الشوارع لأول مرة، وأن تنساب بآلية في طريق طويل فيه كل مقومات الشارع قد تنتهي بك بغرفة نوم، أحدهم ).
أما بطل القصة فتخاطبه استيلا ( انت تعيش هنا بعد أن فقدت كل شئ هناك، وتحلم بالعودة قريباً لذا تفعل كل اشياءك بصورة مؤقتة، من أجل هذا فأنت تصارع كل يوم من أجل المأكل والمشرب. والملبس لا يهمك أمره كثيراً، حتى صُرعت أخيراً، صُرعت وأنت تعول أسرة، أنت الآن راقد وواع تماماً بعجزك، ترقد والسل يدب في أحشائك دبيب السوس في العود، تحولت كلماتك إلى سعال وصديد، وعظامك البارزة مواسير تنساب فيها الحمى، هناك أيضاً تقرحات على ظهرك من كثرة الاستلقاء، هذا بيني وبينك لأن لا أحد يعلم عنها شئ حتى الآن، لا شئ تفعله سوى النظر، النظر فيما حولك، صرت عيناً .. ترصد كل الأشياء حتى الأصوات، الآن أنت متكوم في غرفتك الخاصة .. الغرفة الوحيدة التي تخصك وتخص أفراد أسرتك: زوجتك وتؤاميك). ص 9
وتزداد جرعة الأسى بهذه الفقرة: ( يصلك كل ما في الشارع من أحداث لأنك تقريباً تسكن في الشارع، الآن يصلك صوت تبول أحد السكارى على جدار غرفتك، وتقيوء ذاك أمام بابك وتدحرج ذاك مقاوماً للدوار، ترى النسوة في نشاطهن اليومي ينقلن الخمور من مكان لآخر متنافسات على الخامة الجيدة ونظافة مجلس الزبائن فالشعار المرفوع هنا " بيتك للكل، لأن الكل في بيتك، لأن بيتك في الشارع والشارع من تراب" ). ص 10
أما الزوجة ولعلها البطلة الحقيقة للقصة فهي مثل الأخريات تمتهن بيع الخمر لتعول اسرتها النووية ( ... فزوجتك الآن تعمل بنشاط نمل، لا تعلم متى تنام فأنت ترصد استيقاظها ليلاً ونهاراً، ليلاً تسهر معك لتخفف عنك الألم والحمى، في ذات الوقت تصنع الخمر ). صفحتي 10، 11
أما نهاراً فهي ( تنساب بين الزبائن ملبية طلباتهم، وتوفر أدوات الشواء لهم، لقد أعتدت على هذه الفوضى حتى صارت جزء منك، كل هذا الضجيج يتم حول رأسك ). ص 11
ورغم أن زوجته تعمل ليلاً ونهاراً حتى تسير دفة الحياة، فإن زوجها يحار في ( ابتسامتها المفرطة رغم نزيفها الداخلي لأن السكارى سيظنون أن أخلاقها ضيقة فإنهم لا يحبذون ذوات الأخلاق الضيقة، ها هي قادمة نحوك نحيفة تتلاعب داخل ثوبها مثل ملعقة داخل كوب، تستطيع بكل يسر أن تتابع عروقها وتفرعاتها من المنبع إلى المصب والعكس، ترفع الوسادة التي تحت رأسك واضعة النقود تفعل هذا الشيء في كل دقيقة تقريباً تجري حساباتها وتضعها دون اعتبار لأي رأس ملقى هناك كأنك والوسادة شئ واحد، ولعلك تختلف قليلاً لأنك تسعل فالوسادات لا تسعل، عندما تفعل ذلك يكاد رأسك ينفجر من الألم يتبعها سعالك فتنتبه لوجودك وتسندك بيد وتمسك العلبة التي تحوي بعض التراب لتبصق فيها لعابك الصديدي المريض باليد الأخرى ). ص 11
وبينما كانت الزوجة تدفع بطفليها بعيداً عن مجتمع الزبائن حتى انها اضطرت لضربهم ضرباً مبرحاً ( عندما دلفا وتلقفهما السكارى وصاروا يتحدثون معهم، وكل واحد منهم يحس بمسؤلية تجاههما فيحشر اللحم في أفواههما ويدس بعض العملات في ايديهما لشراء الحلوى، كانت الأم ترمقهما بنظرة تأديبية حارقة حتى لا يأخذنا النقود ). ص 12
وزوجها يسمعها ( وهي تقول لجارتها بأنها ادخرت النقود الكافية لتأخذك غداً إلى المستشفى، لأنه إذا مت فإنها لن تغفر لنفسها أبداً، فتتكور أنت ألماً ). ص 12
لكن الأحداث دوماً لا تسير على ما يرام ( تعلم جيداً هذه الفوضى التي تسود المكان، السكارى هاربون، النسوة مهرولات يخبئن الخمور وأخريات يغلقن أبواب غرفهن في زعر فالفرار .. الفرار .. الفرار. وتصلك تلك الأصوات الطفولية هاتفه: الكشة .. الكشة .. الكشة. تماماً هي نفس النغمة عندما يهتفون: الإغاثة .. الإغاثة .. الإغاثة. هم كذلك لا يفرقون بين المصيبة والمصيبة ). صفحتي 12، 13
والكشة " يفتح حرف الكاف وتشديد حرف الشين " هو مصطلح يطلقه السودانيون على قوات الشرطة التي تداهم .. حسن لنصغي لتعريف الكاتبة استيلا لهم: ( .. يلي هذا الهتاف اقتحام تلك الكتاءب المسلحة لحفظ النظام ومحاربة الرذيلة والحرام وللترويض أيضاً، يتفرقون في كل البيوت ويسكبون السوائل على الأرض حتى الماء الذي تم الحصول عليه بعد شقاء مرير، ويدحرجون الببراميل على الأرض، يقبضون على ذلك وتلك، ويضربون آخر وفي أقل من القليل تمتلئ عرباتهم بالسكارى والنسوة والأواني وتتحرك إلى حيث أتت، ركض الأطفال خلف الشاحنات باكين منادين على أمهاتهم، أباءهم ويضيع بكائهم وسط شخير عربات البوليس، ويتلاشى صراخهم وسط الغبار والعادم، كان طفلاك معهم لأن زوجتك لم تنجو هذه المرة ). ص 13
بعد رحيل عربة الكشة، عاد الأطفال لللعب متناسين ما حدث، هنا عادوا لمطاردة الكلاب والتبرز في العراء والعلب الفارغة محافظين على طفولتهم التي في احضان اللامعقول ). ص 14
أما بيت الزوج فكان ( صورة مصغرة للحيّ كله، بذل الصغيران جهدهما لوضع الأمور في نصابها أنت متكور عبارة عن قطعة من الألم، تحس بتهتكات في صدرك، والحمى تسري في عظامك أكثر ما يؤلمك أنك تحولت إلى عين، عينك ستة على ستة تنظر فقط لا غير، ترى طفلتك التي تحسب بأنها في هذه الأثناء يجب أن تحل محل الأم فصارت حازمة، وزامة شفتيها فتبدو أكبر من سنينها القليلة بعشرات المرات، طفلك لا يفارق الضحك شفتيه فهو مصر على إظهار تلك الفراغات في لثته ). ص 14
وإذا بالضجيج يعود مرة أخرى ( ولكنه يختلف وصاح الأطفال: الإغاثة .. الإغاثة .. الإغاثة .. كل من في الحيّ يحمل صفيحاً وأكياساً فارغة وعلباً لتلقي الإغاثة، فعل طفلاك مثلما فعلوا، وأمتدت الصفوف، كباراً وصغاراً ونساء ورجالاً وكثرت الشجارات وبكاء الأطفال طمعاً في حفنة دقيق أو قطرة زيت، الشمس تشرق وتغيب على الرؤوس، يوم واحد لا يكفي، وتنظر أنت .. انت العين تنظر إلى تلك الجوالات وعلب الزيت وقد كتب فيها بالخط العريض باللون الأزرق U.S. A. علب الزيت. U.S. A. لبن البدرة. U.S. A. جوالات الدقيق. U.S. A. وتفوّه لعابك الصديدي .. ولكن ليس في العلبة هذه المرة، بل على وسادتك .. لأن الأطفال كانوا هناك في الصفوف الأخيرة ). ص 14
ثم إن الضجيج علا مرة ثالثة بعد أيام وهتف الأطفال: الكشة .. الكشة ، ولم تكن كذلك. فهتفوا: الأغاثة .. الأغاثة. ولم تكن بإغاثة ولكنها الجرارات التي علت في الأفق من على البعد. ( .. وانت .. العين .. كنت تعلم ولكن لا تستطيع الهتاف، اقتربت تلك المعاول التي تسير على أربع، أكثر، تم هدم كل تلك البيوت التي كانت قائمة على الشوارع الرئيسية كما قالوا ومناطق الخدمات ومجرى السيل، وبهذه الأسباب أصبحت البيوت الواقفة هنا وهناك مثل أسنان في فم عجوز، حتى عرفتك الوحيدة ذابت تحت وطأة الجرارات ). ص 15
وتزداد الحمى على الزوج والطبيعة من حوله ثائرةً جداً ( كانت هناك عاصفة ترابية تتجمع في الأفق ومن خلفها سحب داكنة تصنع كائنات عملاقة ولكنها سرعان ما تغير شكلها قبل أن تحدد ماهية الأشكال، ساد اضطراب فيما حولك، الكل يبحث عن ما يأويه من ثورة الطبيعة تلك، حيث لا مأوى، غطت الأمهات أطفالهن بالمشمعات والملاءات مع تجمع كل أفراد الأسرة في مكان واحد ليقي كل الآخر بجسده ). ص 15
تختتم القاصة استيلا قايتانو تلك المشاهد التراجيدية بأقصوصتها ( نحو الموت والسجون ) بفقرتين أخيرتين بالصفحة السادسة عشر من الكتاب. استميح القراء الاعزاء بأن انقلهما دون حذف أو إضافة من عندي:
( سعلت كثيراً اثناء العاصفة الترابية حتى كدت تفقد وعيك لولا تلك القطرات المائية التي لامست وجهك، حضر صغيراك وتلفتا يمني ويسرى .. انت من تهمهم في هذه الأثناء، بحثا عن مشمع لتغطيتك، أمسكت هي الطرفين الأماميين وأمسك هو بالطرفين الخلفيين، وصنعاً لك سقف ليقيك من المطر، انحدرت منك دمعة تغلي، وأنت تراهما تحت المطر، يصارعان الرياح التي أخذت تعصف بهما وأحياناً تنزع من أيديهما السقف ويهرولان لجلبة بسرعة قبل أن تبتل أنت، هو يضحك مظهراً فراغات لثته وهي زامة شفتيها لتبدو أكبر في انتظار شئ ما، ويعودان لك مرة أخرى، كنت تراهما من تحت المشمع وهما يحاولان جاهدين بألا تلمسك قطرة، التمعت تلك القطرات التي كانت عالقة بنهايات أذنيهما مثل البلور فلاح لك أمل هناك .. أمل بعيد .. بعيد جداً.
( توقفت الأمطار، هما الآن يخلعان أثوابهما الرطبة ويندسان تحت فراشك من البرد والرطوبة، كنت مصدر دفء لهما، عظامك الساخنة تغلي، وصدرك يغلي بالسعال، نام ذاك وهو يحلم بعودة الأم واللعب في ماء المطر واصطياد الأسماك الضالة التي انجرفت مع الماء من الترعة القريبة، وترى تلك وعيناها مثبتة في الأفق كأنها في انتظار شئ ما، أما انت فكنت تتسلل من الحياة شيئاً فشيئاً حتى لا ينتبها لغيابك ).
-أواصل بإذن الله -
القصة عند استيلا قايتانو .. - زهور ذابلة - نموذجاً ( 2 – 5 )
مزمل الباقر
الحوار المتمدن-العدد: 4412 - 2014 / 4 / 2 - 09:10
المحور: المجتمع المدني
في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات، دفعت بنبذة مقتضبة عن الكاتبة استيلا قايتانو. ومن ثم استعرضت قصتها الأولى بمجموعتها ( زهور ذابلة ). أواصل في الحلقة الثانية، الحديث عن قصص هذه المجموعة.
نحو الجنون:
يمثل هذا العنوان، الجزئية الثانية والأخيرة من ( كل شيء هنا يغلي )، حيث عنونت القصة الأولى بعنوان آخر وهو: ( نحو الموت والسجون )، لتصبح القصة الثانية: ( كل شئ هنا يغلي "2" : نحو الجنون ).
تبتدر استيلا قصتها بهذه الفقرة: ( ما زال صرير بوابة السجن الكبير يزن في اذنيها عندما لفظها السجن من جحيمه إلى حجيم المدينة، اختلط الصرير بشخير البص القديم الذي يئن تحت وطأة السنين والشوارع الخربة ). (ص 21)
إذن البطلة أخيراً خارج أسوار السجن الكبير أو ( حوش البقر ) كما تسميه القاصة على لسان الرواي. وطوال مسيرة البص، كانت ذكريات السجن تترى في مخيلة البطلة. قبل أن تنتشلها من يم ذكرياتها، فرقعة أصابع الكسماري يطلب ثمن التذكرة. ولأنها كانت لا تملك أي نقود بحوذتها، فقد أشار الكسماري لسائق البص بالتوقف قبل أن يأمرها بالترجل. مما حدا بها إلى ان تخبر كسماري البص الآخر بأنها لا تملك نقوداً فوافق أن يقلها وارتقت البص الآخر على اثر هذه الموافقة.
وصلت بطلة القصة للمحطة الأخيرة وركبت مع غيرها من المواطنين في إحدى ( الكاروهات ) التي تجرها الحمير بعد أن استأذنت الصبي الذي يقود ( الكارو ) فوافق فوراً على أن يقلها دون نقود.
بعد كل تلك الأشهر التي قضتها في السجن لاحظت الفرق فقد اختفت الشوارع الثعبانية. واختفت معها كذلك عدداً من البيوت لتصبح أماكنها خالية جرداء. وهنالك بئر ارتوازية حلت محل الطاحونة المائية. سألت عن السبب فأخبروها بأنه التخطيط.
فكرت في اسرتها وشرعت بالعدو كي تدركهم وصدق حدسها، فهنالك زريبة لتجار يبيعون البلح والحطب ولاخميرة مكان غرفتها!. ابصرتها احدى جارتها فهرولت إليها معانقة وباكية ومعزية في زوجها. ( دمدمت مثل السماء وبرقت عينيها، صرخت صراخاً لم الحي كله وايقظه من سكرته وغيابه، وبكت وولولت بكل اللغات التي تعرفها .. ناحت وأنت كل خلية فيها، طفرت دموع جرفت حزن العالم كله وغضب الدم وغبن القلب ). ( ص 24 )
ولم تتوقف بطلة القصة عن تعابيرها الحزينة وسط الجموع التي تحلقت حولها ( هي تقف في الوسط ترتجف من الفجية، بكت معها النسوة في حرقة، ثم أخذت تسب وتلعن .. سبت الشماليين، وسبت الجنوبيين، ثم كوّرت كفها وامسكت معصمها في حركة بذيئة، وسبت مؤخرة أم الحرب .. وسقطت مغشياً عليها ). ( ص 24 )
بعد أن افاقت من غيبوبتها، سألت عن قبر زوجها والتوأمين. ولأنها لم تجد أي إجابة من الجيران فقد شرعت في رحلة البحث الطويل عن تؤام وقبر حتى انتهى بها الأمر إلى أنها ( كانت تحرك شفتيها لأن منلوجها الداخلي بدأ يغلي ويخرج بخاراً .. كانت تسأل وتلعن وترحل من الأقاصي إلى الأقاصي ). ( ص 26 )
وكانت النتيجة الحتمية: ( ... وعندما خرج لها طفلاها ذات يوم من بركة التشرد، تصادفوا، انكمشا منها وهربت هي منهما، وكانت تعض على أصابعها ولعابها يسيل في غزارة دموعها .. هربت وهي تعرج فأصبحت مشيتها قردية وتغطيها بعض الخرق، ركض خلفها ولكنها هربت تبكي حيناً وتضحك حيناً، يئسا وعادا متدحرجين إلى بركتهما وغابا كما غابت هي في طريق البحث وضاعت، ولكن في غيابها كانت دوماً تلعن وترحل وتسأل عن قبر وبيت وطفلين يتيمين ). (ص 26 ).
وليمة ما قبل المطر:
تشير القصة إلى أن ( " أولير " اسمه يعني العراء، ذلك لأن أمه انجبته هناك عندما داهما المخاض وهي تحتطب، بلدته محاطة بالغابة والسماء ). ( ص 31 )
وتواصل استيلا قايتانو في قصتها الثالثة ( وليمة ما قبل المطر ) سردها الساحر: أولير ( كان يغط في نوم عميق عندما بدأ ذلك الظل يزحف بطيئاً نحو بلدته فبدأت مثل انسان ضحم يسحب غطاء نحو جسده ). ( ص 31 ) وكان الأجواء الخريفية تطل من سطور القصة فالشمس متوارية خلف الغيوم الداكنة والاشجار الضخمة تتمايل اغصانها بفعل رياح خفيفة ( تلوح لكرنفال الطبيعة المفاجئة .. بدأت النسوة نصف العاريات في التحرك مثل سرب النحل، يشرعن في نقل ما نشرنه من بافرا وذرة نابت إلى داخل الأكواخ، كن يتصايحن راطنات، تنبه كل الاخرى او تمازحها، واخريات مهرولات وعلى رؤوسهن قدور الماء والصغيرات. كان الماء ينحدر على صدورهن النابتة فيضفي لوناً اسود مصقول على بشرتهن). ( ص 31 ).
أما الرجال فقد كانوا جلوساً ( تحت سقيفة ضخمة تجاور ساحة الرقص، يتوسطهم مدفاة من الأخشاب الجافة لاشعالها عند هطول الامطار في صخب من الضحك والغناء، غناء اطلقته اخواتهم أو حبيباتهم، واصفاتهم بالشجاعة والقوة ويتخلل الأغنية بعض الغزل، كان المقصود بالوصف يهب واقفاً ضارباً أرجله بالأرض ملوحاً برمحه في الفضاء كأنه يقاتل عدواً لا يراه أحد سواه ). ( ص 31 ).
وماذا عن الاطفال ( عالم آخر طفولي، تشده شجرة " عرديب " ضخمة مغرية أياه بالثمار الرطبة التي تساقطت بفعل الرياح، بعضهم كان باسطاً ذراعيه مثل طائر منشدين أغنية المطر: " ماترا تالي .. سكي سكي ما تجي .. ماترا تالي .. سكي سكي ما تجي" أيتها الغيوم صُبيّ .. إذا كنت رزازاً فلا تأتي .. فلا تأتي ). ( ص 31 )
في هذا الأجواء ( ركض صديقا " أولير " طفلين في السادسة من العمر، يشدك ذاك البريق الذي في عينيهما شداً، اتجها نحو خالتهما لتوقظه لهم حتى لا تفوته وليمة ما قبل المطر، رفضت في حنو قائلة: " ليس من اللائق إيقاظ النائم، لانه بحاجة إلى ذلك وإلا لم ينم!" اظهر بعض الرضا عائدين إلى الشجرة ). ( ص 32 ).
ثم إن المطر قد هطل غزيراً. وجعلت أم " أولير " تحمل بعض الأخشاب الجافة إلى الداخل للتدفئة. ( وذلك الكائن خلف السحب يصدر أصوات مكتومة مصاحبة لبرق قوي ). ( ص 32 )
وتواصل الطبيعة ما بدأته في تلك البقعة من الأرض في ذلك الزمان ( فجأةً انفجار هائل، ثم برق طويل يخطف البصر، كأن هناك من أمسك بتلابيب السماء ومزقها إلى شطرين، تلجمت القرية وهي تسمع إلى ذلك الطنين الذي ينزلق في دهاليز آذانهم، والكل على يقين بأن هذه الصاعقة قد وصلت الأرض لا محالة ). ( صفحتي 32 و33 )
في الصباح كانت المفاجأة المحزنة - أو البشعة إن شئت – فقد اصبحت القرية على ولوة النسوة اللاتي تتراقص اكواخهن بجوار شجرة العرديب الضخمة، عفواً كانت حتى البارحة ضخمة قبل أن تشطرها الصاعقة إلى نصفين ( صرخت إحداهن منبةً القوم على أن هناك طفلين تعرضا لضربة الصاعقة، تبعثر الجمع للبحث عن الجثتين لابد ان الصاعقة قد القتهما بعيداً عثروا عليهما، التفوا حولهما ينظرون في رعب إلى الشريط الاسود الذي يمتد من رأسيهما إلى ما بين فخذيهما، شريطاً يوضح ذلك الاحتراق المفاجئ كأنهما انشطرا وتم لحامهما مرة أخرى، ثم ثمار متفحمة التصقت على كفيهما الصغيرتين ). ( ص 33 ).
كانت الجثتان الصغيرتين تنتميا لصديقيّ " أولير " .. ( تفلت جدة أولير لعاباً داكناً بفعل التمباك على رأس حفيدها المحبوب قائلة: اشكر من جعلك تنام في هذا الوقت بالذات فقد انقذك النوم من موت محقق، ويعلم الله إذا مت لكنت لاحقة بك لا محالة لذا ستنام كلما بدأت الأمطار في الهطول مدى حياتك ). ( ص 34 ).
حاول الاهل والجيران اخفاء الأمر عن أولير ولكن الطفل رأى ما حدث لرفيقيه فأرتمى في حجر جدته باكياً ( مرتعد الأوصال وذاك الشريط الاسود يتقافز أمام عينه، هذا يعني الموت! موت صديقيه يعني انهما لن يلعبا معه لعبة الاستخباء، الموت يعني انهما لن يزجرا الطير من المزارع وهم يعلمون الببغاوات الشتائم المصاحبة لاسماء اصحاب مزارع الفاكهة البخلاء الذين لا يسمحون لهم بأكلها، ويغرقون في الضحك عندما يسمعون صاحب الاسم يتبادل الشتائم مع الببغاوات مرشقاً إياها بالحجارة ). (ص 34 )
أما " أولير " فبرغم موت جدته وبرغم انه صار شاباً قوياً ( يرقص بكل طاقته فينال بذلك اعجاب الفتيات اللاتي تتدافعن ليراقصهن. يجيد السباحة كأنه من سكان النهر، يتسلق الاشجار مثل قرد، الكل يستقبله باستحسان لسماحته مع الكل، كان عيبه الوحيد النوم عند هطول المطر ). ( ص 35 )
وسبب نوم " أولير " هي لعنة جدته التي دعت عليه بأن ينام كلما هطل المطر. ( أحياناً كان يأتي محمولاً على كتف أصدقائه عندما ينام في رحلة صيد أو أي مكان آخر. كانت امه تراقبه وتوصيه بأنه إذا احس بقرب المطر يجب ان يعود إلى البيت، ولكنه كثيراً ما يندمج مع اصدقائه ينسى حتى تداهمه الأمطار وسرعان ما ينام لتعود به الذاكرة اللعينة إلى عمر السادسة ). ( ص 35 )
ولكن قلب الأم لا يهنأ حتى ترتاح على مصير صغيرها ( أولير الشاب ) فالتجأت إلى عرافة بالجوار علها تذهب عن ابنها اللعنة. ولأن ( سمح الغنا في خشم سيده ) - على حد تعبير مقولتنا السودانية – أي ان الحديث لا يحلو إلا من فم صاحبه. فلتقرأ ما كتبت استيلا على لسان الراوي، واصفةً أجواء العرافة حينما التقت أولير وأمه ( كانت العرافة معطية ظهرها لهم وجسمها ملئ بالأحجية والتمائم، أحس " أولير " بالتقيؤ عندما اخترقت تلك الروائح الغريبة انفه، واضطرب عندما لمح ثعبان كبير يقبع في قرعة كبيرة، وقرعة أخرى ملئ بالدماء وطائر غريب يصدر أصواتاً آدمية، نطقت العرافة بإسمه كأنها تعرفه عن كثب وسألته بما يحس به أثناء هطول المطر حكى لها كل شئ، بعد ذلك اصدرت بعض الأصوات المخيفة والأبخرة تتصاعد نحو السقف المخروطي، اعطت الأوامر للطائر الغريب الذي طار خارجاً ثم عاد بعد قليل ليخبرها بأن الجدة هي التي لعنت حفيدها خوفاً عليه، طلبت العرافة معزة سوداء وبقرة حلوب، على أن يتم العلاج غداً صباحاً قبل شروق الشمس ). ( ص 36 )
اراد اصدقاء " أولير " الاحتفاء بدنو خلاص صديقهم من اللعنة، بعد ان سمعوا منه ما دار بينه وبين العرافة وكانوا في طريقهم إلى رحلة صيد حاملين ادواته. تاركين نسوة القرية منهمكات في صنع الطعام و( المريسة ) – والمريسة هو نوع من الخمور البلدية التي تصنع في السودان من الذرة النابت ولعلها تصنع في بعض دول الجوار كذلك – وكان الاجواء احتفالية في تلك القرية التي تحيطها الخضرة.
في الغابة أوغل الاصدقاء في سيرهم مرددين أغانٍ زنجية تتحدث عن القوة والشجاعة وفي هذه الاثناء تبلدت السماء بالسحب فارتبك " أولير " وأراد الرجوع فعلم اصدقاؤه السبب فنصحوه بمرافقتهم لأن طريق العودة للقرية طويل جداً واقنعوه بأن يظل بصحبته فإن هطلت الامطار ونام فسيحملوه في طريق العودة للقرية ( .. عموماً فهو آخر يوم لهذه اللعنة فدعنا نستمتع ونحن نرفعك على اكتافنا للمرة الأخيرة، فلن نحملك بعد اليوم ). ( ص 37 )
اثناء سيره في الغابة اعترضهم نهر سريع الجريان فسألهم " أولير " عن اجادتهم للسباحة فأنقسم الاصدقاء إلى فرقتين، فرقة قادرة على السباحة بامتياز وأخرى لا تجيد السباحة. فإنبرى " أولير " لإنقاذ كل من لا يجيد السباحة حتى يجتاز النهر ولما تمكن الجميع من العبور للضفة الأخرى عاد " أولير " مرة أخرى للنهر فلابد من ان يحضر الاقواس والرماح من ضفته الأخرى ولكن المطر بدأت قطراته تغازل جسد النهر و " أولير " يشق الماء بكل قوته. غير ان المطر اشتد هطوله واشتد الأمر على " أولير " .. ( بدأت اطرافه تسترخي وهو يصارع أقوى أثنين، مياه نهر هائج ولعنة الجدة). ( ص 37 )
وكانت النهاية الحتمية لبطلنا أولير ( .. عندما ابتلعته الأمواج والنهر مثل حيوان ضخم يتقلب في مرقده مبتلعاً كل شئ حتى جذوع الاشجار، و" أولير " في احضان الطبيعة يتحول إلى طفل في السادسة يتنهد في حجر جدته ذات الرائحة النفاذة وهو يراقب قملة تزحف متكاسلة ثم تندس بين طيات تنورتها، وذلك اللعاب الداكن يثقل فروة رأسه، فأس يهوي من السماء شاطراً شجرة إلى نصفين ثم نزيف دخاني وسائل أخضر، جثث تتدرج وقبر متشقق.
( تركوه هناك نائماً نومته الأبدية، غارقاً في لعنة جدته، والنهر يأخذه بعيداً عن انشودة المطر، بعيداً عن القرية المحاطة بالغابة والسماء، بعيداً عن البافرا وورق الموز). ( ص 38)
القصة عند استيلا قايتانو .. - زهور ذابلة - نموذجاً ( 5 – 5 )
مزمل الباقر
الخرطوم بحري في 28 مارس 2013م
الخرطوم بحري في 28 مارس 2013م
في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات، قمت بسرد سيرة
ذاتية مقتضبة عن كاتبة المقالات والقاصة استيلا قايتانو وتعرضت بالحديث عن
مجموعتها القصصية التي عنونتها بـــ ( زهور ذابلة ) متناولاً حسب الترتيب
التسلسلي: قصة ( كل شئ هنا يغلي "1" : نحو الموت والسجون ).
أما بالمقال الثاني من هذه السلسلة تناولت بالحديث القصة الثانية في المجموعة ( كل شئ هنا يغلي "2" : نحو الجنون )، والقصة الثالثة في مجموعتها وهي قصة ( وليمة ما قبل المطر ). وفي الحلقة الثالثة تواصل الحديث، بدايةً بقصة ( خرائط لعوالم مجهولة) وانتهيت بقصة ( رحيل )
وفي المقالة الرابعة تواصل الحديث عن المجموعة القصصية ( زهور ذابلة ) للكاتبة استيلا قايتانو. وقصتها السادسة والتي عنونتها بــ ( في ليلة قمرية ) و ( زهور ذابلة ) وهي سابعة قصص المجموعة محور المقالات.
في الجزئية الأخيرة من هذه السلسلة ابتدر مقالي بالأقصوصة الثامنة والأخيرة من قصص الكاتبة استيلا قايتانو (( كل شيء فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع، طولها الفارع، وقفتها المستقيمة رغم شيخوختها.
(( لا ألمس في جدتي أي جماليات، كنت أراها قبيحة جداً مثل الغوريلا، شفتاها غليطتان، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب، كان يزين شفتها السفلى ثقب هائل تسده بقطعة من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض، عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها كان يسيل عبره، أشهر شيء قبيح فيها أنفها الأفطس، عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها، كانت تقول دون أي جهد في التفكير: يكفي أنني اتنفس به )). ص 75
بتلك الكلمات الفائته تصف الراوية جدتها في الاقصوصة الأخيرة من مجموعة القاصة استيلا قايتانو ( زهور ذابلة ) وقد حملت الأقصوصة عنوان ( بحيرة بحجم ثمرة الباباي ).
الراوية طفلة ذات سنوات عشر تسكن مع جدتها (( في فناء بيتنا الواسع الملئ بالأشجار والخضروات وشجرة الباباي ذات الأثداء الكثر والكبيرة، كانت غرفتنا من القش ذات جدار دائري وباب قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها على ركبته وعندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلى عمق الغرفة، وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم أكثر من ثلاثين بقرة، فتزدحم في فتحتي انفك روائح الروث والفواكة والخضروات وروائح جدتي )). ص 76
وتحدثنا الرواية عن اسرتها (( كنا أنا وهي، في كل هذا الصخب، عائلة مكونة من جدة وحفيدة، توفيت أمي وهي تلدني، توفي أبي في رحلة صيد عندما سحقته جاموسة هائجة بقرونها، أما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقاً نحره بالرمح لأن نظرات الإنجليزي لم ترق له، بقيت مع جدتي منذ عمر يوم، أرضعتني حتى العاشرة من عمري، كانت ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة وما تحوي من لبن طازج ذو طقعم غير مفهوم ولكنه جميل. كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلى المرعى وبعد أن أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة على صدر جدتي)). ص 77
بعد أن أصبحت الراوية في العاشرة من عمرها منعتها جدتها من الرضاعة وصنعت لها شريحتين من الجلد لتغطي بها جسدها (( جزء ضئيل من الجلد مكون من قطعتين، معلق بحبل جلد لفته تحت السرة يتدلى من الأمام ومن الخلف ساتراً عورتيها)). ص 77
وعندما بلغت الخامسة عشر من عمرها وأثناء سيرها مع جدتها في طريق العودة للمنزل اخبرتها الأخيرة أنها رأت جدها في الواقع وليس في الحلم وكان على شكل تمساح فتدهش الطفلة لذلك وتتساءل:
(( - وكيف عرفتي انه جدي؟
- من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها، وصفات أخرى أعرفها أنا فقطن عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلى أشياء أخرى نحمل الصفات التي كنا عليها، نتحول ولكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلى تمساح.
- وماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟
- لا أدرى إلى ما سأتحول، ولكني أتمنى أن اتحول إلى نسر.
ومنذ أن ماتت جدتي وعلاقتي بالنسور قوية، كلما ألمح واحداً أتأمله في تحلقه عسى أن أجد بعض صفات جدتي، ثدي بحجم ثمرة باباي، عيون حمراء جفون منتفخة، ولبن بطعم الملح )). ص 81
عن الرواية:
وبعد ...
- بيئة معظم شخصيات مجموعة (( زهور ذابلة )) هي بيئة متخلفة حضارياً - أو حضرياً إن شئت - وإن لم تخلو من نبل وكريم أخلاق، فالكل يشقى لأجل الأخرين: الأطفال والزوج ( قصة: كل شئ هنا يغلي )، الحفيدة ( قصة: بحيرة بحجم ثمرة
الباباي )، والأخ يشقى لأجل اخته أو العكس ( قصة: خرائط لعوالم مجهولة ).. الخ.
- للنازحين جغرافياً مساحة كبيرة من قصص المجموعة، وبعضهم يعاني نزوحاً روحياً كغربة الروح تماماً مثلما حدث للشخصية المحورية في أقصوصة ( زهور ذابلة ). ولا تخفي الكاتبة إستيلا قايتانو انحيازها لتلك المجاميع البشرية المهمشة سياسياً
واقتصادياً وربما ثقافياً.
- المجتمع الجنوبي – نسبة لجنوب السودان – كان حاضراً في المجموعة القصصية من خلال شخصية أولير ( وليمة ما قبل المطر ) ومن خلال الشجرة الورافة الظلال ( في ليلة قمرية ) وكذلك من خلال شخصيتي الجدة وحفيدتها ( بحيرة بحجم ثمرة
الباباي ).
أما بالمقال الثاني من هذه السلسلة تناولت بالحديث القصة الثانية في المجموعة ( كل شئ هنا يغلي "2" : نحو الجنون )، والقصة الثالثة في مجموعتها وهي قصة ( وليمة ما قبل المطر ). وفي الحلقة الثالثة تواصل الحديث، بدايةً بقصة ( خرائط لعوالم مجهولة) وانتهيت بقصة ( رحيل )
وفي المقالة الرابعة تواصل الحديث عن المجموعة القصصية ( زهور ذابلة ) للكاتبة استيلا قايتانو. وقصتها السادسة والتي عنونتها بــ ( في ليلة قمرية ) و ( زهور ذابلة ) وهي سابعة قصص المجموعة محور المقالات.
في الجزئية الأخيرة من هذه السلسلة ابتدر مقالي بالأقصوصة الثامنة والأخيرة من قصص الكاتبة استيلا قايتانو (( كل شيء فيها كان يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع، طولها الفارع، وقفتها المستقيمة رغم شيخوختها.
(( لا ألمس في جدتي أي جماليات، كنت أراها قبيحة جداً مثل الغوريلا، شفتاها غليطتان، رأسها كبير يصلح للجلوس دون أي متاعب، كان يزين شفتها السفلى ثقب هائل تسده بقطعة من الخشب نحتتها لتكون صالحة لهذا الغرض، عندما تخرج تلك القطعة فإن لعابها كان يسيل عبره، أشهر شيء قبيح فيها أنفها الأفطس، عندما تسمع تعليقاً عن فطاسة أنفها، كانت تقول دون أي جهد في التفكير: يكفي أنني اتنفس به )). ص 75
بتلك الكلمات الفائته تصف الراوية جدتها في الاقصوصة الأخيرة من مجموعة القاصة استيلا قايتانو ( زهور ذابلة ) وقد حملت الأقصوصة عنوان ( بحيرة بحجم ثمرة الباباي ).
الراوية طفلة ذات سنوات عشر تسكن مع جدتها (( في فناء بيتنا الواسع الملئ بالأشجار والخضروات وشجرة الباباي ذات الأثداء الكثر والكبيرة، كانت غرفتنا من القش ذات جدار دائري وباب قصير بحيث يركع من أراد الدخول فيها على ركبته وعندما تدخل تلاقيك ثلاثة مدرجات لتنزل إلى عمق الغرفة، وهناك في نهاية البيت حظيرة تضم أكثر من ثلاثين بقرة، فتزدحم في فتحتي انفك روائح الروث والفواكة والخضروات وروائح جدتي )). ص 76
وتحدثنا الرواية عن اسرتها (( كنا أنا وهي، في كل هذا الصخب، عائلة مكونة من جدة وحفيدة، توفيت أمي وهي تلدني، توفي أبي في رحلة صيد عندما سحقته جاموسة هائجة بقرونها، أما جدي فقد أعدم عندما قتل أحد الإنجليز ممزقاً نحره بالرمح لأن نظرات الإنجليزي لم ترق له، بقيت مع جدتي منذ عمر يوم، أرضعتني حتى العاشرة من عمري، كانت ثدياها مثل ثمرة الباباي في الضخامة وما تحوي من لبن طازج ذو طقعم غير مفهوم ولكنه جميل. كنت أرضع قبل الذهاب بالأبقار إلى المرعى وبعد أن أعود فلا أشتاق إلا لثمرة الباباي الموجودة على صدر جدتي)). ص 77
بعد أن أصبحت الراوية في العاشرة من عمرها منعتها جدتها من الرضاعة وصنعت لها شريحتين من الجلد لتغطي بها جسدها (( جزء ضئيل من الجلد مكون من قطعتين، معلق بحبل جلد لفته تحت السرة يتدلى من الأمام ومن الخلف ساتراً عورتيها)). ص 77
وعندما بلغت الخامسة عشر من عمرها وأثناء سيرها مع جدتها في طريق العودة للمنزل اخبرتها الأخيرة أنها رأت جدها في الواقع وليس في الحلم وكان على شكل تمساح فتدهش الطفلة لذلك وتتساءل:
(( - وكيف عرفتي انه جدي؟
- من تلك العرجة التي كان مشهوراً بها، وصفات أخرى أعرفها أنا فقطن عرفت أننا لا نموت بل نتحول إلى أشياء أخرى نحمل الصفات التي كنا عليها، نتحول ولكن دون ذاكرة فجدك لا يذكرني عندما تحول إلى تمساح.
- وماذا تريد أن تكون جدتي بعد عمر طويل؟
- لا أدرى إلى ما سأتحول، ولكني أتمنى أن اتحول إلى نسر.
ومنذ أن ماتت جدتي وعلاقتي بالنسور قوية، كلما ألمح واحداً أتأمله في تحلقه عسى أن أجد بعض صفات جدتي، ثدي بحجم ثمرة باباي، عيون حمراء جفون منتفخة، ولبن بطعم الملح )). ص 81
عن الرواية:
وبعد ...
- بيئة معظم شخصيات مجموعة (( زهور ذابلة )) هي بيئة متخلفة حضارياً - أو حضرياً إن شئت - وإن لم تخلو من نبل وكريم أخلاق، فالكل يشقى لأجل الأخرين: الأطفال والزوج ( قصة: كل شئ هنا يغلي )، الحفيدة ( قصة: بحيرة بحجم ثمرة
الباباي )، والأخ يشقى لأجل اخته أو العكس ( قصة: خرائط لعوالم مجهولة ).. الخ.
- للنازحين جغرافياً مساحة كبيرة من قصص المجموعة، وبعضهم يعاني نزوحاً روحياً كغربة الروح تماماً مثلما حدث للشخصية المحورية في أقصوصة ( زهور ذابلة ). ولا تخفي الكاتبة إستيلا قايتانو انحيازها لتلك المجاميع البشرية المهمشة سياسياً
واقتصادياً وربما ثقافياً.
- المجتمع الجنوبي – نسبة لجنوب السودان – كان حاضراً في المجموعة القصصية من خلال شخصية أولير ( وليمة ما قبل المطر ) ومن خلال الشجرة الورافة الظلال ( في ليلة قمرية ) وكذلك من خلال شخصيتي الجدة وحفيدتها ( بحيرة بحجم ثمرة
الباباي ).
المصنفات الأدبية تحظر كتاب (إستيلا) بحجة أنه يحتوي على (رسومات غير محتشمة)
المصنفات الأدبية تحظر كتاب (إستيلا) بحجة أنه يحتوي على (رسومات غير محتشمة)
نشرت بواسطة: البعيد-وكالات :الموقف الثقافي
2016/11/09
منعت سلطات المصنفات الأدبية يوم
(الأربعاء 19 أكتوبر 2016) تداول، عرض، وبيع كتاب (الطائر الجميل
المتواضع)، للكاتبة الجنوب سودانية، (إستيلا قاتيانو).
وحجزت السلطات النسخ بالمعرض، وهي عبارة
عن (200) نسخة، مائة نسخة بالعربية، وأخرى بالإنجليزية. و الطائر الجميل
المتواضع – THE BEAUTIFUL HUMBLE BIRD – كتاب للأطفال. بعدها، أمرت
الرقابة، دار النشر، (رفيقي)، بإعادة نُسخ الكتاب إلى المكان الذي أتت منه،
وهي جمهورية جنوب السودان. كذلك اشترطت السلطات أن تتعهد (دار النشر) بعدم
إدخال الكتاب مرة أخرى إلى السودان. وبالفعل، سلَّمت سلطات الرقابة، يوم
(الخميس 3 نوفمبر2016)، نُسخ الكتاب لدار النشر، بغرض إرجاع جميع النُسخ
إلى جمهورية جنوب السودان.
وبرَّرت السلطات مصادرتها للكتاب (..بأن
الكتاب يحتوي على رسومات غير مُحتشِمة) ، والرسومات (غير المُحتشِمة) التي
وصفتها الرقابة، من أعمال التشكيلي السوداني المعروف (د.حسن موسى)و (د.حسن
موسى)، من بين أبرز المثقفين، والتشكيليين السودانيين الذين يُشار إليهم
بالبنان. وتحدَّثت (إستيلا) لـ (جهر) معبَّرة عن مدى حزنها لمنع تداول،
عرض، وبيع الكتاب.
وقالت (استيلا) أن السلطات لم تعترض على
مضمون الكتاب، بل على ما أسمته بـ(عدم حِشمة الصور).وأكَّدت مصادر موثوقة
لـ(جهر) أن المصنفات الأدبية طالبت بـ(إلباس الرسومات ريش أو هُدوم).
وسبق ومنعت ذات الجهة، (المصنفات
الأدبية)، يوم ( الجمعة 21 أكتوبر 2016) تداول، عرض، وبيع رواية (الجنازير
المقدَّسة)، للكاتب السوداني (عبد الله الأسد). وتم المنع بحضور شخصين
يعملان في (المصنفات الأدبية)، صادرا عدد من النُسخ المعروضة، بدعوى أخذها
للجنة الرقابة للبت في أمرها.
وفي اليوم التالي، (السبت 22 أكتوبر
2016)، قال أحد منسوبي (المصنفات الأدبية)، إن الرواية مازالت تخضع للفحص
من قبل اللجنة. عليه، منع (منسوب المنصفات)، عرض الرواية، (الجنازير
المقدّسة)، أو بيعها في المعرض (إلى حين إشعار آخر) على حد ذكره.
ويُذكر أن رواية (الجنازير المقدسة)، صدرت
عن (دار جزيرة الورد) بالقاهرة، وقامت بعرضها في معرض الخرطوم، (الدار
العالمية للنشر والتوزيع).
ومعرض الكتاب، فعالية سنوية، تقام بمعرض الخرطوم الدولي، الواقع في منطقة الخرطوم بري، بالعاصمة السودانية الخرطوم.
خواطري حول (زهور ذابلة) للقاصة استيلا قايتانو
الحاج خليفة جودة
نشر في سودانيزاونلاين يوم 19 - 02 - 2012
توطئة:
سئل الشاعر الفيتوري عن نصيحة يسديها للشباب الذين هامت أقلامهم في مضارب الأدب يتلمسون الخطي بين أجناسها المختلفة فأجاب مستشهدا بمقولة لأحد الأدباء:
" اكتبوا أعمالكم في ضوء الصنعة... أحذفوا وأضيفوا... فإن كل شيء في موضعه بديع ".
مدخل:
حجزت استيلا لنفسها مقعدا في ملعب القصة القصيرة السودانية ويأتي ذلك لاهتمامها بهذا الضرب من الأدب دون غيره. تمتلك استيلا موهبة أطلقت فيها جذوة تجاربها وخبراتها فاشتعلت قصصا أضافت إلي رصيد نار الحكي السوداني حرارة الاستواء.. كما أنها لا شك بذلت جهدا مقدرا كان ثمرته هذه الأعمال التي أطلت بسنابلها عبر بعض الصحف السيارة أو في مجموعات مثل "زهور ذابلة" موضوع هذه الدراسة.
توضيح
هذه الدراسة هي بعض من خواطر اجتاحتني أثناء قراءتي وإعادة قراءتي لأعمال القاصة استيلا وهي بعيدة كل البعد عن النقد بعد القمر عن أرضنا هذه فللنقد أهله وهم أدري بشعابه..
خاطرة أولي:
أري أن الكاتبة وفقت إلي حد بعيد في اختيار العنوان (زهور ذابلة) لما له من بريق يجتذب القارئ ولعلاقته بكل قصص المجموعة والتي تكاد لا تنفك عن شخوصها وأحداثها وما إلي ذلك من تقنيات وأساليب. فالزهور بأجناسها وأنواعها وألوانها وعبق عبيرها وحلو رحيقها وحركتها تفتقا وذبولا تحاكي الحياة في كثير من تفاصيلها الدقيقة. حتى أن تعامل البشر أنفسهم مع الزهور فيه الكثير مما ذكر آنفا. أذكر كل هذا وفي مخيلة استيلا بيئة غنية تحيط بها.. تعيشها وتتعايش معها بتباين أبعادها الدينية والعرقية والإثنية واللغوية والإيديولوجية والسلطوية. تتفاوت قصص المجموعة صعودا وهبوطا وهي تعكس أسلوب القاصة. ومن الظلم أن نحصر جمالياتها في أمثلة قلائل ولكن الدراسة تقتضي ذلك ودونكم الكتاب فهو جدير بالقراءة والاقتناء. ومن الصور التي حركت وجداني تأكيد استيلا علي علاقة الإنسان بالأشجار واختيارها لشجرة الباباي أيقونة تشبه بها جدتها وتناولها أيضا لموقع الأشجار من نشاطات البشرية المتمدنة عموما و(المتريفة) خاصة . وتبعث استيلا رسالتها في احدي القصص في موقف يذكر فيه احدي الشخصيات نديمه بأن لا ييأس وأن يحاكي الأزهار التي تعلم أنها حتما ستذبل سريعا ولكنها رغم ذلك تتفتق لتبهج الناس بألوانها وحلو عبيرها. وفي قصة أخري تسخر الجدة من بعلها الذي حمل بنفسه رسالة هي(راية موته) إلي الرجل الأبيض (المستعمر) فأورد نفسه موارد الهلاك. هذه (وغيرها) أحداث شاعت في كثير من القصص والروايات الأفريقية مع اختلاف في مواقفها وقد أجادت استيلا توطينها في قصتها (بحيرة بحجم الباباي). أعجبني جدا تصوير استيلا لأصوات محركات عربات الشرطة بالشخير. وتعد هذه من أمثلة تلك الرسائل التي يبعثها لسان القاص أو القاصة للقارئ أي كان نمطه وتصنيفه عادي أم فوق عادي. فكأنها هنا لتشكو السلطان بفضح آلياته ووسائطه التي تعمل بهمة في بعض الدوائر و تتقاضي الطرف عن دوائر أخري هي الأخطر علي أمن المجتمع وتماسكه وترابطه ومصالحه العامة. وفي موقف آخر لا يقل تهكما تقارن استيلا عربات الحكومة التي تغزو هوامش المدن تفتش وتبعثر وتدلق وتعتقل وتدمر ولا تقترح أو تخطط لحلول بديلة تقارنها بعربات عليها لوحات أجنبية تأتيهم بالإغاثة لتوزع بينهم عدلا دون تمييز بين هذا وذاك وهذه وتلك حتي صار أولئك المهمشون يتوقون إلي أحمالها و أزير محركاتها إن هي تأخرت.
خاطرة ثانية:
الشيء بالشيء كما قيل يذكر..في زمان ما وعندما كانت الحروف تضرب برفق علي مفاتيح الآلة الكاتبة كتب أحدهم هذه الكلمات علي صفحة بيضاء وألصقها علي جدار غرفته:
" يلعب الحظ دورا بارزا في حياة الوليد
فوليد تسجد الدنيا له
ووليد في الزوايا مهملات"..
زهور ذابلة:
إنه الإنسان أي كان جنسه أو عمره أو لونه أو مكانته... يدرك أن شمسه تشرق يوم مولده وأنها لا بد غائبة يوما.
إنه الإنسان المقهور الذي جاء من نطف نقية مثله مثل غيره ولكن (الغير) أو الآخر يقصيه ويكبله بدواعي الدين واللغة والمال والهوية والجمال نعم الجمال. وقد يفعل سلاح الزيف ما لا تقوي عليه أعتي حضارات البشر واقتصاديات العالم المادي.
إنه الآخر الذي تموت فيه إنسانيته قبل أن يولد أو عقب صرخة الميلاد ولا يحزن عليها بل إنه يقبرها وينهي العزاء بإقصاء وتشريد بني جنسه وان كانوا من نفس العرق أو الدين.
أنه الإنسان الذي يبذر في تربة الإنسانية ينمو فيها وينبت إنسانا آخر يحب الآخر يشاركه ويشركه في عالم الإنسانية..
الأدوات:
تكتب استيلا بلغة اليوم وهي كما يصفها كثيرون منطقة وسطي وخير الأمور أوسطها خاصة في زماننا هذا. تغرف من محيط الفصحى وتغوص في بحر العامية.. وتعرف هذه اللغة أيضا بلغة الأعلام كما قال بذلك الدكتور محمد عناني (أستاذ في الترجمة والأدب الانجليزي بجامعة القاهرة) وآخرين. ولغة استيلا تتأرجح أيضا بين هذه وتلك لعوامل كثيرة منها مثالا وليس حصرا المستوي التعليمي للشخصية –العمر الزمني للغة (اللغة كائن حي) – الحدث - المكان إذ لا يعقل أن يفصح أهل الهوامش خطابة وبلاغة في حواراتهم اليومية. ولكن هنالك حالات استثنائية كما في الحوار الذي يدور بين (استراجون وفلادميير) في مسرحية (في انتظار جودو) لصموئيل بكيت لكونهما لسان المؤلف. وأورد هذا باعتبار المسرح – بداهة - جنس من أجناس الأدب بل أشدها تأثيرا إن هو أطلق أغلاله.
يطغي علي كثير من تراكيب استيلا اللغوية ما يعرف اصطلاحا باللغة العامية وهو مستوي طبيعي من مستويات اللغة ينصهر فيه لهجات عديدة بمستويات مختلفة لدواعي متباينة أثبتها اللغويون في دراساتهم وليست هذه الدراسة مجالها ولا مقامها.. أما تأثر الكاتبة نفسها ولا أعني شخوصها بهذا النوع أو ذاك المستوي من اللغة في مواضع كثيرة تأثر واضح وجلي ولكني أري أنه لا يقلل من جماليات العمل للقارئ المحلي (قرّاء بيئة استيلا) أو من نحي نحوهم. كما أني التمست أثرا للترجمة (من الانكليزية) ولو ضمنا علي بعض تراكيب لغة استيلا. قد تخبئ مجمل هذه العناصر جماليات الحكي وربما اللغة نفسها إذا حاول قارئ آخر تذوق هذا الطبق. ولكي أتحقق من ذلك كنت قد عرضت إبان إقامتي في المملكة العربية نماذج لأجناس أدبية مختلفة وغيرها نشرت في ملفات الصحف الثقافية وهي من تأليف أهلي في السودان (عرضتها) لبعض المهتمين بالأدب من دول عربية بعينها (مصر-الأردن-لبنان).. فاستعصي عليهم فهم تلك الأعمال من وجهة أنها تغوص في عامية يجهلون فك رموزها.. ورغم ذلك نجد أن القاصة قد برعت في ترويض عامية أهل السودان وألبستها أثواب العربية المعاصرة وبعبارة أخري لغة الإعلام وفقا لمقتضيات وتقنيات الحكي.. اقتطفت النماذج أدناه من بعض قصصها وأري أنها إذا أعادت صوغ هذه التراكيب اللغوية فإنها ستضفي إلي قصصها رونقا وجمالا:
كل شيء هنا يغلي (1) نحو الموت والسجون:
- الزمان:.الموقع:....الزمن:....السكان:....الرائحة:.... هكذا ابتدرت استيلا مقدمة القصة الأولي في نقاط خمس استمدتها من أركان القصة القصيرة وهذا أسلوب سبقه إليه كثيرون ولكني أري أنها إذا صاغتها في فقرة واحدة لجاءت المقدمة مؤثرة ولأحكمت قبضتها بتلابيب القارئ تشويقا.
- إذا كنت تتجول في هذه الشوارع لأول مرة, وأن تنساب إليه بآلية...
- تصارع كل يوم من أجل المأكل والمشرب.. والملبس لا يهمك
- عظامك البارزة مواسير
- ملبية طلباتهم وتوفير أدوات الشواء
- لأن إذا ما مت فانها لن تغفر لنفسها
- زعر
- الغرفة الوحيدة التي قربك
- الطبيعة باغتك بمفاجاتها
كل شيء هنا يغلي (2) نحو الجنون:
- المكان الذي كن مسجونات فيه...
- يحملون لهم وعودا فقاعة مليئة بايحاءات بإصلاح الحال
- ثلاثة أشهر ملئ بعسكر وصفير التمام ودموع
- تتقيأ علي الشارع
رحيل:
- وهو يخاطبها ذات ركاكة مفعمة بالرجاء...
في ليلة قمرية:
- مقر لمهمات وهزليات البلدة...
- وخلاخل في الأرجل...
- وتنورة تغطي الجزء الأسفل من الجسم...
- ترتد إلي مصدرها الأول...
- فجأة حدث شجار قوي...
- أمرهم أحدهم راطنا...
- أذهبن إلي بيوتكن, هرولن رعبا...
- ليس من الشرف والرجولة أن تصارعهم جميعا...
- انتهي الصراع كما ينتهي أي صراع كل يوم...
- أخذت ظلال القطاطي تتراقص...وأخذت تنظر في حزن...
(زهور ذابلة):
- رصت أكياس الفول فيها....
- تبحث عنه ثلاث أيام
- صينيتها في رأسها
بحيرة بحجم الباباي:
- أشهر شيء قبيح فيها أنفها الأفطس...
- نتيجة لقلع أربعة أسنان
- حتي لا يتجرؤ تلك الحبائل
- حتي تذهبي أنت بعيدة
- بحيث يركع من أراد الدخول
- تدخل تلاقيك ثلاث مدرجات
- توفيت أمي وهي تلدني
- والدموع واقفة علي جفوني
في زهور ذابلة يكرر عنوان المجموعة نفسه صدى داخليا لتؤكد القاصة رؤيتها في رسائل تبثها عبر الشخوص والأحداث وما إلي ذلك من تقنيات. هذه العجينة لعبت دورا كبيرا في تحميص كثير من قصص هذه المجموعة.
استيلا مولعة بالأساليب والصور البلاغية وتجنح إليها لتتبل الحكي بالسخرية وغيرها في تشبيهات واستعارات وكنايات مألوفة وغير مألوفة أي أنها تبتدع بعضها وفي مجمل القول فهي لا تبعد كثيرا عن (الوعي الجمعي) لبيئتها إذ هي مستمدة منه..
- ذكريات تقطع عليهم مجري حياتهم...(كل شيء هنا يغلي -1).
- نحيفة داخل ثوبها مثل ملعقة داخل كوب...(كل شيء هنا يغلي -1 )
- البيوت.... أسنان في فم عجوز... (كل شيء هنا يغلي -1 )
- ظلال القطاطي تتراقص...(في ليلة قمرية).
- عناكب تحيك الأركان...(في ليلة قمرية).
- جدتي.... شجرة الباباي...(بحيرة بحجم الباباي).
- راية الموت...(بحيرة بحجم الباباي).
تستدعي استيلا في جل قصصها كثيرا من الأساطير والخرافات خاصة تلك التي تحفل بها بيئة جنوب البلاد (دولة جنوب السودان) ..
- الجن والأرواح والثعابين... ( كل شيء هنا يغلي -2).
- في الواقع رأيته في صورة تمساح... (بحيرة بحجم الباباي)
- نتحول إلي أشياء أخري نحمل الصفات التي كنا عليها...(بحيرة بحجم الباباي)
وجه آخر للمرآة
قياسا بما استشهد به الفيتوري تستطيع استيلا (وكل من سلك هذا الدرب) أن تعبد الدرب وترصفه بل وتزين طرفيه بالأشجار وتزرع جزيرته ورود وحشائش خضراء جميلة.. هذا غيض من فيض خواطري وأعلم أن أهل القصة أدري بشعابها ولكن في النفس شيء من حتى... حتي أعرف منهم ما أجهله وما أجهله كثير..
ينبغي ألا نعلق الأخطاء الإملائية علي شماعة من تولي أمر الطباعة أو الدار التي ألقت علي عاتقها بمسئولية النشر.. علي القاص مراجعة أعماله بنفسه فهو صاحب (الوجيعة)..
خاتمة:
قوة الفكرة ووضوحها إلي جانب صواب الرأي (الرسالة) تضيف الكثير إلي جماليات الأسلوب وبراعة التقنيات (العمل الأدبي)..
حوار مع القاصة استيلا قايتانو- موسي احمد
_________________________
/////// الكتابه باللغه الانجليزيه هي كتابه صفوه متعلمه!!!!
///////كلما قرأت لكتاب امريكا اللاتينيه احس بأني مستفزه جدا للكتابه!!!
///////مهمه الكاتب أن يقوم بعمل هذه الجسور الوجدانيه .وأن يساعد في تقفيل هذه الهّوه
تقديم:
تظل الكاتبة والقاصة ستيلا قايتانو من اللائي يكتبن القصة بنكهة وإسلوب يخصها هي لوحدها الشئ الذي جعل منها واحدة من العلامات الفارقة والظاهرة في مسيرة القصة السودانية ، وفوق هذا وذاك فهي تتكئ علي مخزونٍ عالٍ من الحكي الشفاهي الذي طالما سمعته واجادت تخزينه واستفادت منه في كتاباتها للقصة .
**** في البدء، وبكثير مباشرة مني كيف بدأت عندك مسألة الكتابة والإلتقاط؟
= بداية الكتابة عندي بدأت بصورة لا استطيع ان اسميها صدفة، ولكن بصورة ما وجدت نفسي وانا اكتب، وهي بداية تتفق مع بداية كثيرين في المدارس واهتمامات من قبل الاساتذة في المدرسة.
وبصورة ما او بأخرى مسكت بالقلم ويظل مواصلا في الكتابة بالقدر الذي لا يستطيع معه ان يتوقف عن الكتابة، وهو يكتب باحساس ان هنالك كلام كثير يريد كتابته ولا يستطيع ان يتوقف عنده. والى هذا الحد هي كتابة غير منتظمة وغير مرتبة ولا تستند على اي خلفية عن ماذا اريد ان اكتب؟ وماذا اريد ان اعالج من خلال كتابتي هذه؟ أنا اكتب فقط..
بعد ذلك من الممكن القول ان المسألة دخل فيها بعض النضج في الكتابة وهذا كان في نهاية الثانوي، وبدأت بالكتابة على الكراسات مع نية انني اريد ان اكتب مثلاً رواية، اما ما هو موضوع هذه الرواية ومبتدأها ومنتهاها وتقاطعاتها الممتدة فهذه الاشياء لم احددها تحديدًا قاطعاً وحتى هذه الرواية من الممكن ان يكون فيها اكثر من موضوع واكثر من خط تتحرك فيه.
بعد ذلك في بدايات المرحلة الجامعيَّة، ابتدأت مرحلة اخرى من التنظيم والترتيب، بعد ما قمت بعرض ما كتبته على اناس انا اثق بهم وهم من قالوا بان فيَّ بذرة كتابة جيدة وهنالك تعبير جيد وأوصوني بان اكتب القصة القصيرة، لان هنالك مشكلة نشر في السودان، لانه من خلال نشر هذه الاعمال القصصية ان يتعرف عليك الناس، بعد ذلك اصدرت مجموعة قصصية او رواية، فالاسم معروف.
بعد ذلك بدأت في كتابة القصة القصيرة من غير اي خلفية منهجية، ولا غيره، واذكر ان اول نص كان بعنوان (القدر السعيد) وأعطيته للصادق الرضي والذي بدوره قام بنشره، ثم نشرت قصة «زهور ذابلة».
ومن خلال هذا النشر للقصص التي اؤلفها وردود فعلها، وجدت انني اكتب كتابة تضعني في نفس مرتبة الذين يكتبون القصة وليس هنالك فرق، وفجأة جاءتني نقطة تحول ولا ادري ما هي، لكن جاءني احساس قوي في انني من المفترض ان اكتب..
لكن عموما انا اقرأ كل المنتوج الروائي اذا كان سودانياً او افريقياً اومن امريكا اللاتينية، وتحديداً كتَّاب امريكا اللاتينية مستفزة جدًا فكلما اقرأ لواحد منهم أي عمل مباشرة يأتيني استعداد مباشرة للكتابة، واحيانا من العنوان ومن غير قراءة الرواية حتى.
**** هنالك مشكلات ومحرضات كثيرة من الممكن ان تضع الانسان في اولى مساطب الكتابة، انت تحديداً ما هي مشكلات ومحرضات الوعي بالكتابة؟
= جزء منه حكي والجزء الآخر (قرايات)، وانا اصف نفسي باني (ِسمِّيعة) جدًا، وأحب جدًا سماع الحكاوى واجيد تخزينها بصورة ما كي يأتي يوم ما اوصف ما سمعته من حكايات، وبجانب هذا انا كثيرة الاطلاع.
**** الملاحظ ان المرأة تشكل المحور الاساسي الذي تدور وتتحرك عليه اغلب اعمالك القصصية، اولاً لماذا هي إبتداء، هل لانك تكتبين عن مجتمع تشكِّل المرأة اغلبه ام ماذا؟
= هذا الشيء بصورة عامة قصدتها وبعيدا جدا عن (الجندرة) ومن الممكن ان تكون هذه المسألة دفاعية عن نظرة الرجل للمرأة الذي يراها (كان بقت فاس ما بتكسر الراس) وهي كائن ضعيف، وهذا الذكر للمرأة جاء من خلال انها عصب المجتمع، ولو انها تعمل في كثير من الاحيان خلف الكواليس.
وفي بيئتي انا بالذات فالمرأة اذا كانت في بيئة الجنوب او في مجتمع الهامش فهي تشكل جزءا اساسيا في هذه المجتمعات، اذا كان اقتصادياً او اجتماعيا، او خلافه وهي تعمل كل هذا العمل وبدون مقابل ابدا.
**** ايضا ملاحظة اخرى وهي ان ما كتب هو لم يخرج عن كتابة ما اصطلح على تسميته (أدب حرب) هل هذه محاولة لعكس هم خاص ام محاولة لتعميم الهم ام ماذا؟
= هو ليس هماً خاصاً بقدر ما هو هم عام، وانا على الرغم من اني لم اعش هناك في الجنوب، لكني محتكة بالذين جاءوا من هنالك والذين طالتهم يد الاذى كثيرا من هذه المعاناة، ومن الممكن معيشتهم هنا جعلت من احتكاكي مباشرا بهم، ووجدت نفسي اني استطيع ان اعبر عن هذه الاحداث، وقادرة ان انظر اليها بزاوية جيدة وان اسلِّط الاضواء على اشياء لم يكتشفوها هم ابدًا وان الذي هم يعيشون فيه هو (مأساة) في حين انهم يتعاملون معه على اعتبار ان لا مفر منه ولا خيار لذلك وليس هنالك افضل ابدا، ووجدت بعد ذلك ادوات كتابة امتلكها قادرة جدا على فعل شيء أقلها (لفت نظر) وتسليط ضوء على قضية، وهذا ما قمت بعمله وهذه هي القصص التي كتبتها..
**** الكتابة في بعض جزئياتها هي تسجيل لاحداث او واقع او متخيل، وهذا معروف، وهي ترميمية تطبيبية، وجبرية في حالات اخرى، ترى هل تشكل مثل هذه الكتابات مساعداً في الخروج من هذا العنق الزجاجي الذي نحن فيه كائنون؟
= الى مدى كبير قطعاً، لان هذه هي وظيفة الكاتب وبما ان احساسه زائد بإنسانية اي انسان بغض النظر عن بعده عنه ان كان اثنيا، جغرافيا، او حتى دينيا وخلافه، فللكاتب احساس يختلف عن احساس الاخرين ومن الممكن ان يتفاعل عن طريق الخيال فقط، ناهيك عن انه يحتك بهذه القضية.
اذاً فوظيفة الكاتب ها هنا ان يقوم بعمل هذه الجسور وان يساعد في تقفيل وسد هذه الهُوَّة، وحقيقة مثل هذه الكتابات قد ساهمت ولمدى كبير جدا في هذا العمل، ومن ناحية اخرى فان مثل هذه الكتابات تعطي احساساً للآخرين المتحدث عنهم بان هنالك من يحس بهم ويشاركهم ألم المعاناة، وهذا دافع معنوي كبير من شأنه ايضاً ان يقرِّب بين الناس وهذا ما اسميه «المشاركة الوجدانيَّة».
**** أنت امتداد لكتاب وكاتبات من الجنوب (جونثان ميان ـ تعبان لوليونق ـ فرانسيس دينق ـ اقنس لوكودو... الخ» لكن انت تختلفين عنهم كون انك كتبت بلغة عربية فارقة؟
= من الممكن الاحساس بان هنالك كتابات من الجنوب وكتَّاب من الجنوب غير معروفين، ومن الممكن ان يكون الشيء الذي لم يجعلهم معروفين للاتجاهات الجغرافية الاخرى هو حاجز اللغة، وكتاباتهم باللغة الانجليزية هي قطعا كتابة صفوة متعلمة (جامعية او فوق الجامعية) وبنفس هذا القدر فانتشارهم وذيوعهم بهذه اللغة يكون محدودًا جدًا في هذا الوطن، ثم ان نسبة الامية لازالت كبيرة هنا في السودان، ونسبة الذين يستطيعون التعامل مع الانجليزية كتابة او قراءة قليلة جدا، اذاً كل هذه الاشياء وأشياء أخرى جعلت من نسبة التقارب محدودة.
على المستوى الشخصي فأنا عشت في مجتمع يتحدث العربية، وعلى طريقتي الخاصة قمت بتطوير هذه اللغة وعن طريق القراءات المختلفة الكثيرة، وجدت نفسي انني من الممكن ان اكتب عن المحمول الثقافي او المخزون الثقافي الذي عندي بلغة اخرى وهي العربية، كي تكون اوسع انتشارًا، ولم احاول ان اكتب بالانجليزية، لكن من الممكن ان تترجم مثل هذه الاعمال الى الانجليزية.
ونحن في هذه الفترة في حاجة الى أي (طوبة) ترصف الطريق للوصول الى بعضنا، ومن الممكن عن طريق الكتابة ان نفعل ذلك..
*** أخيراً ماذا بعد (زهور ذابلة) وأين كتابات ستيلا الجديدة؟
= هنالك ذبول شديد!! (ضاحكة) هنالك كتابات متقطعة هنا وهناك والى الآن هي غير مكتملة، وفي احيان كثيرة هنالك غياب الفكرة المقنعة والمحرضة للكتابة، هذا بجانب انني معروفة بأني مقلَّة ولا اكتب كثيراً وهذا ظاهر جدًا وملاحظ في تواريخ القصص التي اكتبها، ومن الممكن على مدار السنة ان اكتب قصة واحدة، لكني ابداً غير مستعجلة في الكتابة، وان لم تختمر الفكرة عندي فهي لا تستحق أبداً أن اكتبها.
/////// الكتابه باللغه الانجليزيه هي كتابه صفوه متعلمه!!!!
///////كلما قرأت لكتاب امريكا اللاتينيه احس بأني مستفزه جدا للكتابه!!!
///////مهمه الكاتب أن يقوم بعمل هذه الجسور الوجدانيه .وأن يساعد في تقفيل هذه الهّوه
تقديم:
تظل الكاتبة والقاصة ستيلا قايتانو من اللائي يكتبن القصة بنكهة وإسلوب يخصها هي لوحدها الشئ الذي جعل منها واحدة من العلامات الفارقة والظاهرة في مسيرة القصة السودانية ، وفوق هذا وذاك فهي تتكئ علي مخزونٍ عالٍ من الحكي الشفاهي الذي طالما سمعته واجادت تخزينه واستفادت منه في كتاباتها للقصة .
**** في البدء، وبكثير مباشرة مني كيف بدأت عندك مسألة الكتابة والإلتقاط؟
= بداية الكتابة عندي بدأت بصورة لا استطيع ان اسميها صدفة، ولكن بصورة ما وجدت نفسي وانا اكتب، وهي بداية تتفق مع بداية كثيرين في المدارس واهتمامات من قبل الاساتذة في المدرسة.
وبصورة ما او بأخرى مسكت بالقلم ويظل مواصلا في الكتابة بالقدر الذي لا يستطيع معه ان يتوقف عن الكتابة، وهو يكتب باحساس ان هنالك كلام كثير يريد كتابته ولا يستطيع ان يتوقف عنده. والى هذا الحد هي كتابة غير منتظمة وغير مرتبة ولا تستند على اي خلفية عن ماذا اريد ان اكتب؟ وماذا اريد ان اعالج من خلال كتابتي هذه؟ أنا اكتب فقط..
بعد ذلك من الممكن القول ان المسألة دخل فيها بعض النضج في الكتابة وهذا كان في نهاية الثانوي، وبدأت بالكتابة على الكراسات مع نية انني اريد ان اكتب مثلاً رواية، اما ما هو موضوع هذه الرواية ومبتدأها ومنتهاها وتقاطعاتها الممتدة فهذه الاشياء لم احددها تحديدًا قاطعاً وحتى هذه الرواية من الممكن ان يكون فيها اكثر من موضوع واكثر من خط تتحرك فيه.
بعد ذلك في بدايات المرحلة الجامعيَّة، ابتدأت مرحلة اخرى من التنظيم والترتيب، بعد ما قمت بعرض ما كتبته على اناس انا اثق بهم وهم من قالوا بان فيَّ بذرة كتابة جيدة وهنالك تعبير جيد وأوصوني بان اكتب القصة القصيرة، لان هنالك مشكلة نشر في السودان، لانه من خلال نشر هذه الاعمال القصصية ان يتعرف عليك الناس، بعد ذلك اصدرت مجموعة قصصية او رواية، فالاسم معروف.
بعد ذلك بدأت في كتابة القصة القصيرة من غير اي خلفية منهجية، ولا غيره، واذكر ان اول نص كان بعنوان (القدر السعيد) وأعطيته للصادق الرضي والذي بدوره قام بنشره، ثم نشرت قصة «زهور ذابلة».
ومن خلال هذا النشر للقصص التي اؤلفها وردود فعلها، وجدت انني اكتب كتابة تضعني في نفس مرتبة الذين يكتبون القصة وليس هنالك فرق، وفجأة جاءتني نقطة تحول ولا ادري ما هي، لكن جاءني احساس قوي في انني من المفترض ان اكتب..
لكن عموما انا اقرأ كل المنتوج الروائي اذا كان سودانياً او افريقياً اومن امريكا اللاتينية، وتحديداً كتَّاب امريكا اللاتينية مستفزة جدًا فكلما اقرأ لواحد منهم أي عمل مباشرة يأتيني استعداد مباشرة للكتابة، واحيانا من العنوان ومن غير قراءة الرواية حتى.
**** هنالك مشكلات ومحرضات كثيرة من الممكن ان تضع الانسان في اولى مساطب الكتابة، انت تحديداً ما هي مشكلات ومحرضات الوعي بالكتابة؟
= جزء منه حكي والجزء الآخر (قرايات)، وانا اصف نفسي باني (ِسمِّيعة) جدًا، وأحب جدًا سماع الحكاوى واجيد تخزينها بصورة ما كي يأتي يوم ما اوصف ما سمعته من حكايات، وبجانب هذا انا كثيرة الاطلاع.
**** الملاحظ ان المرأة تشكل المحور الاساسي الذي تدور وتتحرك عليه اغلب اعمالك القصصية، اولاً لماذا هي إبتداء، هل لانك تكتبين عن مجتمع تشكِّل المرأة اغلبه ام ماذا؟
= هذا الشيء بصورة عامة قصدتها وبعيدا جدا عن (الجندرة) ومن الممكن ان تكون هذه المسألة دفاعية عن نظرة الرجل للمرأة الذي يراها (كان بقت فاس ما بتكسر الراس) وهي كائن ضعيف، وهذا الذكر للمرأة جاء من خلال انها عصب المجتمع، ولو انها تعمل في كثير من الاحيان خلف الكواليس.
وفي بيئتي انا بالذات فالمرأة اذا كانت في بيئة الجنوب او في مجتمع الهامش فهي تشكل جزءا اساسيا في هذه المجتمعات، اذا كان اقتصادياً او اجتماعيا، او خلافه وهي تعمل كل هذا العمل وبدون مقابل ابدا.
**** ايضا ملاحظة اخرى وهي ان ما كتب هو لم يخرج عن كتابة ما اصطلح على تسميته (أدب حرب) هل هذه محاولة لعكس هم خاص ام محاولة لتعميم الهم ام ماذا؟
= هو ليس هماً خاصاً بقدر ما هو هم عام، وانا على الرغم من اني لم اعش هناك في الجنوب، لكني محتكة بالذين جاءوا من هنالك والذين طالتهم يد الاذى كثيرا من هذه المعاناة، ومن الممكن معيشتهم هنا جعلت من احتكاكي مباشرا بهم، ووجدت نفسي اني استطيع ان اعبر عن هذه الاحداث، وقادرة ان انظر اليها بزاوية جيدة وان اسلِّط الاضواء على اشياء لم يكتشفوها هم ابدًا وان الذي هم يعيشون فيه هو (مأساة) في حين انهم يتعاملون معه على اعتبار ان لا مفر منه ولا خيار لذلك وليس هنالك افضل ابدا، ووجدت بعد ذلك ادوات كتابة امتلكها قادرة جدا على فعل شيء أقلها (لفت نظر) وتسليط ضوء على قضية، وهذا ما قمت بعمله وهذه هي القصص التي كتبتها..
**** الكتابة في بعض جزئياتها هي تسجيل لاحداث او واقع او متخيل، وهذا معروف، وهي ترميمية تطبيبية، وجبرية في حالات اخرى، ترى هل تشكل مثل هذه الكتابات مساعداً في الخروج من هذا العنق الزجاجي الذي نحن فيه كائنون؟
= الى مدى كبير قطعاً، لان هذه هي وظيفة الكاتب وبما ان احساسه زائد بإنسانية اي انسان بغض النظر عن بعده عنه ان كان اثنيا، جغرافيا، او حتى دينيا وخلافه، فللكاتب احساس يختلف عن احساس الاخرين ومن الممكن ان يتفاعل عن طريق الخيال فقط، ناهيك عن انه يحتك بهذه القضية.
اذاً فوظيفة الكاتب ها هنا ان يقوم بعمل هذه الجسور وان يساعد في تقفيل وسد هذه الهُوَّة، وحقيقة مثل هذه الكتابات قد ساهمت ولمدى كبير جدا في هذا العمل، ومن ناحية اخرى فان مثل هذه الكتابات تعطي احساساً للآخرين المتحدث عنهم بان هنالك من يحس بهم ويشاركهم ألم المعاناة، وهذا دافع معنوي كبير من شأنه ايضاً ان يقرِّب بين الناس وهذا ما اسميه «المشاركة الوجدانيَّة».
**** أنت امتداد لكتاب وكاتبات من الجنوب (جونثان ميان ـ تعبان لوليونق ـ فرانسيس دينق ـ اقنس لوكودو... الخ» لكن انت تختلفين عنهم كون انك كتبت بلغة عربية فارقة؟
= من الممكن الاحساس بان هنالك كتابات من الجنوب وكتَّاب من الجنوب غير معروفين، ومن الممكن ان يكون الشيء الذي لم يجعلهم معروفين للاتجاهات الجغرافية الاخرى هو حاجز اللغة، وكتاباتهم باللغة الانجليزية هي قطعا كتابة صفوة متعلمة (جامعية او فوق الجامعية) وبنفس هذا القدر فانتشارهم وذيوعهم بهذه اللغة يكون محدودًا جدًا في هذا الوطن، ثم ان نسبة الامية لازالت كبيرة هنا في السودان، ونسبة الذين يستطيعون التعامل مع الانجليزية كتابة او قراءة قليلة جدا، اذاً كل هذه الاشياء وأشياء أخرى جعلت من نسبة التقارب محدودة.
على المستوى الشخصي فأنا عشت في مجتمع يتحدث العربية، وعلى طريقتي الخاصة قمت بتطوير هذه اللغة وعن طريق القراءات المختلفة الكثيرة، وجدت نفسي انني من الممكن ان اكتب عن المحمول الثقافي او المخزون الثقافي الذي عندي بلغة اخرى وهي العربية، كي تكون اوسع انتشارًا، ولم احاول ان اكتب بالانجليزية، لكن من الممكن ان تترجم مثل هذه الاعمال الى الانجليزية.
ونحن في هذه الفترة في حاجة الى أي (طوبة) ترصف الطريق للوصول الى بعضنا، ومن الممكن عن طريق الكتابة ان نفعل ذلك..
*** أخيراً ماذا بعد (زهور ذابلة) وأين كتابات ستيلا الجديدة؟
= هنالك ذبول شديد!! (ضاحكة) هنالك كتابات متقطعة هنا وهناك والى الآن هي غير مكتملة، وفي احيان كثيرة هنالك غياب الفكرة المقنعة والمحرضة للكتابة، هذا بجانب انني معروفة بأني مقلَّة ولا اكتب كثيراً وهذا ظاهر جدًا وملاحظ في تواريخ القصص التي اكتبها، ومن الممكن على مدار السنة ان اكتب قصة واحدة، لكني ابداً غير مستعجلة في الكتابة، وان لم تختمر الفكرة عندي فهي لا تستحق أبداً أن اكتبها.
Subscribe to:
Posts (Atom)

